بعد سيطرة تنظيم داعش بشكل كامل على مدينة تدمر وسط سوريا بالأمس، باتت آثار المدينة القديمة المدرجة ضمن التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» تحت التهديد المباشر، حيث يتخوف المعنيون من أن يعمد التنظيم على نهبها، وبيع كنوزها في السوق العالمية، ثم تدميرها بالكامل على غرار ما فعل بمدينة نمرود الأثرية في العراق، في عمل وصفته منظمة «اليونسكو» حينها بأنه يمثل «جريمة حرب».
كما أن التهديد للمدينة الأثرية لا يخفف من روعة توضيح مدير عام المتاحف والآثار السورية مأمون عبد الكريم أن مئات من التماثيل الأثرية من المدينة نقلت إلى «أماكن آمنة»، ذلك أنه تبقى هناك أعمدة المدينة ومعابدها ومدافنها الملكية المزخرفة وعمارتها عرضة للخطر والزوال.
وكان التنظيم بدأ هجومه على المدينة في 13 مايو بحجة أن احتلالها يفتح الطريق أمامه نحو البادية المتصلة بمحافظة الأنبار العراقية، فالمدينة تبعد 215 كيلومترا عن مدينة دمشق إلى الشمال الشرقي منها، و150 كم إلى الجنوب الغربي من نهر الفرات.
لكن يبدو أن للاستيلاء عليها له أهداف دعائية أيضا للتنظيم، لكون المدينة محط أنظار العالم لتراثها العالمي، في وقت تشير المدير العام لليونيسكو ايرينا بوكوفا إلى تصاعد في تدمير التراث كحرب متعمدة.
واستنفار منظمات الحفاظ على التراث في العالم حالياً يعود إلى كون تدمر من أقدم المدن التاريخية في العالم. والمدينة التي يطلق عليها «عروس الصحراء» لوقوعها في واحة في البادية السورية، هي موطن آثار رائعة لمدينة عظيمة كانت فيما مضى واحدة من أهم ملتقى الثقافات في العالم القديم.
كما أنها بأعمدتها الرائعة ومعابدها ومسرحها وساحتها العامة تعتبر أفضل مثال لعمارة باقية في منطقة شرق البحر المتوسط، وتحديدا لناحية مبانيها الفخمة وشوارعها وتنظيمها، حيث تصفها «اليونيسكو» بأنها مزيج من التراث الإغريقي الروماني والتقاليد المحلية مع تأثيرات فارسية. والمنظمة أدرجتها على لائحة التراث العالمي في عام 1980.
تاريخها
وتدمر بدأت تزدهر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وارتفع شأنها بعد أن أصبحت عاصمة لأهم ممالك الشرق، مملكة تدمر، التي نافست روما أيام مجدها، وبسطت نفوذها على مناطق واسعة من حدود آسيا الصغرى في الشمال، إلى مصر في الجنوب، ومن شمال شرق سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط.
كانت أهميتها تكمن في كونها مركزا لتوقف القوافل عندما وقعت تحت حكم الرومان وضمها الإمبراطور تراجان إلى الولاية العربية العام 106. وبدءا من القرن الثاني، تطورت المدينة إلى محطة تجارية هامة على طرق التوابل والحرير.
وهبها الإمبراطور هدريانوس لقب «بلدة حرة» العام 129 ميلادي. وخلال القرن الثالث، اصبح لها دور استراتيجي وعسكري مهم مع اشتداد العداوة بين الفرس والرومان. وقد اشتهرت تدمر بتصديها للغزوات من الشرق والغرب خلال حكم أذينة وزوجته زنوبيا، ومحاولة هذه الأخيرة التمرد على روما سرعان مع أثار حفيظة الرومان الذين سارعوا إلى محاصرتها وتدمير جدران المدينة. وكانت هذه بداية تراجع تدمر.
أهم آثارها
وما تبقى من آثار المدينة القديمة شاهد على عظمتها، حيث يمكن رؤية صفوف لا تنتهي من الأعمدة التي كانت تمثل فيما مضى مباني هامة. وهناك مسرح، وسوق، ومعابد، ومدافن، ومعسكر، وسور، إضافة إلى مئات من المنحوتات والفسيفساء والتماثيل والأواني ومصوغات الذهبية الموضوعة في متحف تدمر.
ويقول الخبراء إن اكتشاف هذه المدينة في القرنين السابع والثامن عشر كان له تأثير هام على أساليب العمارة الكلاسيكية وتصميم المدن في الغرب. وثراؤها يظهر بوضوح في آلاف التماثيل التي تصور ترف نبلائها سواء في تنوع اللباس أو الحلي أو تصفيفات الشعر. وقد أهتم سكانها بالزراعة فقاموا بتنظيم الأقنية المتطورة وأساليب الري.