داهمت منزله في مخيم الدهيشة للاجئين، قرب بيت لحم على حين غرة. أردتها أن تكون زيارة مفاجئة، إذ إن اللقاءات العفوية تتسم بحميمية أكثر في كثير من الأحيان. ورغم أنه كان في الخامسة بعد المئة من عمره، فإن الحاج محمود عبيد (أبو إبراهيم) هب واقفاً من دون أن يتكئ على شيء، معبراً عن ترحيب ممزوج بالمفاجأة.
بعد الاستقبال الحار من عجوز ما زال وفياً للعادات الأصيلة، قال «دعنا نذهب إلى فناء المنزل لنجلس في ظل الدالية، فوافقته على الفور. وقبل أن نهم بالخروج مد أبو إبراهيم يده تحت الوسادة وأخرج مفتاحاً كبير الحجم ودسه في جيبه». هكذا يفعل منذ غادر قريته بيت عطاب، التي كانت قبل النكبة غرب القدس، ولم يعد يعرف ما حل بها مذ غادرها مكرهاً في العام 1948 إبان النكبة التي أحيا الفلسطينيون ذكراها السابعة والستين في الخامس عشر من الجاري، ليستقر في مخيم الدهيشة للاجئين، قرب بيت لحم.
سألته إن المفتاح مجرد رمز، فأجاب بحسم: إنه المفتاح نفسه، أقفلت به الباب في بيت عطاب وغادرتها، ومنذ تلك اللحظة وهو معي ولا يفارقني. وفيما كان يحكي الحكايات عن قريته، حضر ابنه وصديقي خالد، فاستغل العجوز القوي مجيئه فتسلق سلماً وبدأ بتقليم الدالية. كان يتسلق درجات السلم كأنه في الرابعة عشرة من عمره.
عندما حضرت القهوة طلبنا منه أن ينضم إلى جلستنا ليحتسيها معنا، فلبى الطلب بلا تعليق. سألته عن سر اهتمامه بالدالية: هل من علاقة بينها وبين الوطن واللجوء؟ تهادت يده بفنجان القهوة قبل أن يصل إلى شفتيه، وقال بصوت متهدج: كانت لدينا دالية مثلها في بيت عطاب، وكنت أقلمها مثلما أفعل الآن. مجرد أن أصعد السلم وأمسك بيدي أحد أغصان هذه الدالية أعود للوراء خمسة وأربعين عاماً.. أحس أنني أتعامل مع داليتنا في بيت عطاب. عندما تبزغ براعمها تنبت معها بذرة أمل بالعودة.
صمت هنيهة وقال بعيون دامعة: حسناً، قد لا أعود أنا، لكن من المؤكد أن خالد سيعود، وها هو المفتاح شاهداً لم يستشهد، ليتذكر هذا الجيل أن للمفتاح سكرة وللسكرة باباً وللباب بيتاً وللبيت طريق عودة.
أبو إبراهيم يعرفه كل أبناء المخيم ومحافظة بيت لحم، فهو بات رمزاً لقضية اللجوء بالنسبة له، فضلاً عن أنه كان يقود وفود الكبار والصغار في زيارة بيوت الشهداء والجرحى، وبخاصة في الأعياد والمناسبات الوطني، وكذلك استقبال وزيارة الأسرى المحررين من سجون الاحتلال. لم ينج أي من أبناء أبو إبراهيم من الاعتقالات المتكررة.
مواقف مشرقة
ولربما يعرف معظم أبناء المحافظة المواقف المشرقة والمشرفة لذلك العجوز، الذي امتزجت في أقدامه تشققات السير في طريق اللجوء الوعرة والأزقة الضيقة للمخيم مع التهابات السير المتكرر نحو سجون الاحتلال لزيارة الأبناء والأحفاد خلف القضبان. ذات مرة، حدث ابنه الراحل خالد، الذي كان خضع لتحقيق طويل تخلله تعذيب شديد، وسرت شائعات مغرضة مصدرها خفافيش الظلام وأزلام العدو، زعمت أن خالد انهار في التحقيق.
دخل أبو إبراهيم وحده غرفة الزيارة، وأبقى أم إبراهيم وزوجة خالد في الخارج. اقترب من الشبك وسأل خالد: هل صحيح أنك انهرت أمامهم؟ رد خالد: وهل هذا هو عهدك بي؟ عندها نادى أبو إبراهيم زوجة خالد وأمه: الآن بإمكانكن زيارته، لكن شاءت الأقدار أن تقع أم إبراهيم خلال الزيارة مغشياً عليها، وتفارق روحها الحياة، بعدما كحلت عينيها برؤية ولدها.
مفتاح العودة
في الثامن من مايو 2008، وقف الحاج محمود عبيد، في ساحة بمخيم عايدة للاجئين القريب أيضاً من بيت لحم، حيث نظم مهرجاناً لتدشين أكبر مفتاح في العالم، في مناسبة رمزية في ذكرى النكبة. أبو إبراهيم ألقى كلمة في الذكرى وسلم أحفاده مفتاح منزله في قرية بيت عطاب.
وفي الخامس والعشرين من الشهر ذاته، عاد أبو إبراهيم محمولاً على الأكف إلى مكان يبعد بضعة أمتار عن المكان الذي جرى فيه الاحتفال. حظي الرجل بجنازة مهيبة شارك فيها حشد غفير من المحافظة التلحمية، ليودع مناضلاً أمضى 60 عاماً بالتمام والكمال من أصل سنوات عمره المئة والعشرة، حاملاً مشعل قضية العودة، وكان خلالها بمثابة وثيقة تاريخية من لحم ودم وتمشي على ساقين، كما كان يصافح أبناء المحافظة.
بعد رحلة نضال طويل وأصيل، يرقد أبو إبراهيم في مقبرة لا تبعد أكثر من نصف ساعة بالسيارة عن قريته، التي دمرها الصهاينة، وأقاموا على أرضها مستوطنات ومرفق سياحية يقصدها السياح والمستوطنون، في حين منع أبو إبراهيم حتى من مجرد زيارتها حياً أو أن يدفن في ترابها ميتاً مثلما كان يتمنى ويحلم. وها هو يدفن في مكان قرب قبة راحيل القريبة من لبيت لحم. وكان من أشد الصدمات على قلبه المليء بالنكبات، استشهاد حفيده كفاح ابن السابعة عشر ربيعاً، خلال مواجهات مع الاحتلال في المكان ذاته، حيث يرقد الجد والحفيد.
أرقام من المأساة
نكبة فلسطين نتج عنها تشريد وطرد شعب من أرضه وأملاكه، وإحلال مجموعات عرقية دينية مكانه. بلغة الأرقام، اقتلعت النكبة قرابة 800 ألف فلسطيني إلى الضفة الغربية، وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، فضلاً عن تهجير الآلاف مع بقائهم داخل نطاق الأراضي المحتلة عام 1948، وذلك من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1300 قرية ومدينة. العصابات الصهيونية سيطرت خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة، دمرت منها 531، واقترفت أكثر من 70 مذبحة، استشهد فيها نحو 15 ألف فلسطيني.