يبدو أن الحروب في الشرق الأوسط، وبشكل خاص في العراق واليمن وليبيا وسوريا، قد شكلت عاملاً إضافياً لأسباب الهجرة غير الشرعية التي تزايدت التحذيرات بشأنها أخيراً، في أعقاب غرق زورق أسفر عن مقتل نحو 800 شخص في أسوأ كارثة يشهدها البحر المتوسط.

ولم تكن مصر بشبابها بعيدة عن مخاطر هذه الظاهرة، إذ دفعت تلك الحروب ومعها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الشباب المصريين نحو طريقين لا ثالث لهما، إما الهجرة والرحيل عن الوطن باتجاه أوروبا والدول الغربية لإيجاد حلمه الضائع في بلاد أخرى..

والتي عادة ما تكون هجرة غير شرعية قد تعرضه للموت، أو الاستجابة لإغراءات الجماعات الإرهابية المتطرفة، التي استغلت الوضع السيئ للشباب وعملت على استقطابهم للانضمام لها، لأسباب مادية بحتة وإغراءات بالزواج وتحسن المعيشة وفرض السلطة.

وبحسب الدراسات والخبراء المعنيين بالقضية، يظل الفرار من خلال الهجرة غير الشرعية هو الأكثر انتشاراً بين الشباب في المجتمع المصري، خصوصاً أن السنوات الأربع الأخيرة.

وما حدث بها من تغيرات سياسية حملت في طياتها مستجدات زادت من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية سوءاً على سوئها، وهو الأمر الذي عمق من فكرة الهجرة بصورة سرطانية في المجتمع المصري، حتى وإن كان هذا الفرار إلى المجهول يحيط به ملك الموت.

ووفقاً لما نشرته صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، فإن العام 2015 يعد أكثر فتكاً بالمهاجرين من إفريقيا والشرق الأوسط، من العام 2014، والذي كان عاماً قياسياً لمأساة الموت للمهاجرين غرقاً في البحر المتوسط قبيل الوصول لسواحل الدول الأوروبية على متن قوارب الموت، بعد غرق أحلامهم في بلادهم.

فقدان الأمل

وحول تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب المصري، أكدت أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية د. سوسن فايد أن الأسباب التي تدفع الشباب للهجرة غير الشرعية والمجازفة بحياتهم قُتِلت بحثاً..

وقد سبق وقدم أساتذة علم الاجتماع والسياسة خريطة علاج تلك الظواهر غير الصحية والسلبية. ولكن، عقب ثورة 25 يناير 2011، زاد على الأسباب المعروفة للرغبة في الهجرة، أسباب اليأس وفقدان الأمل في الإصلاح الاقتصادي بالإضافة إلى الحروب في منطقة الشرق الأوسط، ما جعل الشباب يفكر بأن عمره سيضيع ولن يحقق ما يرجــــوه من أهداف إذا بقي في وطنه.

وأضافت فايد، في تصريحات لـ «البيان»، أن البطالة تبقى السبب الرئيسي لتلك الظاهرة المخيفة، فإن تم توفير فرص عمل بظروف آدمية وصحية فلن يرغب الشباب في الرحيل عن وطنه، مؤكدة أن الفقر والبطالة والشعور بعدم الأمان تتسبب في حالة من الشعور بعدم الانتماء، وتلك المشاعر تفسر الكثير من الظواهر المرضية التي طفت على السطح أخيراً، مثل الانضمام لتنظيمات إرهابية في الداخل أو الخارج.

ورغم أن فكرة انضمام الشباب للجماعات الجهادية تبدو كملف مستقل بذاته، إلا أنها في واقع الأمر، بحسب الكثير من المختصين، تتصل بطريق مباشر أو غير مباشر بالهجرة غير الشرعية..

فاستقطاب الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق وليبيا للشباب في مصر يتم عن طريق تسلل هؤلاء الشباب إلى المناطق المشتعلة في المنطقة من خـــلال هجرة غير شرعية بهـــدف الانضمام لهذه الجماعات، لأسباب مادية بحتة وإغراءات بالزواج وتحسن المعيشة وفرض السلطة.

ورغم أن حالات الهجرة غير الشرعية للشباب المصري للانضمام لجماعات تكفيرية أو جهادية ليست بالأمر الجديد، حيث شهدت ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم هذه الظاهرة، إلا أن الجديد هو تغير الدول التي يقصدها هؤلاء الشباب، وذلك عقب تغير خريطة الجماعات الجهادية وتمركز الأبرز منها في دول المنطقة العربية في سوريا والعراق وليبيا، عقب ثورات الربيع العربي.

تطرف جراء الفقر

وصنّف أستاذ علم النفس د. إبراهيم مجدي حسين الشبابَ الذين يقبلون على الانتماء إلى تلك الجماعات لعدة تصنيفات، قائلاً: هناك جزء منهم ينضم لأسباب مادية بحتة وإغراءات بالزواج وتحسن المعيشة وفرض السلطة، وكذلك جزء آخر ينضم بسبب افتقاده الهوية الوطنية والدينية، وفي رحلته للبحث عن ذاته تلتقطه تلك الجماعات لاستغلاله في تحقيق أهدافها السياسية..

وهناك جزء يتم عمل غسل لعقوله عن طريق إقناعه بأفكـــار متطرفة عفا عليها الزمن ولم تعـــد صالحة للواقع الزمني ولا الاجتماعي، وهذا الجزء هو الأخطر لأنه مع الوقت يدمن القتال والعنف ويعتبره هو الطريقة الوحيدة للتعبير عن أفكاره، ويعتبر ذلك هو السبيل الوحيد لدخول الجنة وإثبات إيمانه.

أسباب وعلاج

رأت أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، سامية قدري، أن العلاج يكمن في علاج السبب الوحيد لكل الظواهر الاجتماعية وهو «الفقر»..

فالفقر هو السبب في شعور الشباب بعدم الرغبة في البقاء في أوطانهم، ما يدفعهم للمجازفة بأرواحهم في سبيل الهروب من الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تفقد الشباب الأمل في تحقيق أحلامهم في الاستقرار وتكوين أسرة، رغم أن هذه الأهداف هي حقوق وليست أحلاماً، مؤكدة أن الفقر هو حجر الزاوية لعلاج كل الظواهر السلبية، بدءاً من الهجرة غير الشرعية وصولاً إلى الجرائم.