دخل الاتحاد الأوروبي في نفق مظلم، وبات مصيره مهدداً بفعل موجات متتالية من آلاف المهاجرين الذين يتدفقون جثثاً وأحياء على شطآنه، وتواجه المنظمة الأوروبية انتقادات خارجية وخلافات داخلية في تعاملها مع الملف الذي بات مهدداً رئيساً لتماسكها المستمر منذ ما يزيد على نصف قرن..

وفيما رهنت لندن بقاءها مع القارة العجوز بإلغاء خطة محاصصة تطرحها وتدعمها الدول المحاذية للبحر الابيض المتوسط، بادرت باريس إلى دعم الخطة ومن قبلها برلين، غير انهما طالبتا عدم إلزاميتها ووصف مراقبون تعامل الأوروبيين مع المهاجرين بالمتخبط وغير الواضح باعتبار ان اي معالجة للملف لا تتطابق والقيم الاوروبية المعلنة ستثير حفيظة منظمات حقوق الانسان التي تملك تأثيرا كبيرا على الرأي العام في تلك البلدان.

وظهرت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني الباحثة عن غطاء دولي لاستخدام القوة لوقف تدفقات اللاجئين مرتبكة ومضطربة ومتنازعة بين شعارات ظل الاوروبيون يطرحونها على مر القرون الفائتة وتدفقات مقلقة من المراكب صوب شواطئها..

وبادرت موغيريني إلى تقديم تعهدات بعدم ترحيل أية لاجئ الى اوروبا قسراً لكنها في ذات الوقت طلبت من اعضاء المجلس المنقسمين تفويضا يسمح لبلدانها استخدام القوة لوقف تلك التدفقات دونما تقديم توضيحات عن ميدان المعركة الذي ستجرى فيه العمليات العسكرية لوقف الهجرة والتي باتت تنطلق من نقاط متعددة ومتفرقة ومساحة جغرافية واسعة وإن كانت ليبيا تعد المركز الرئيسي لتصدير المهاجرين.

ورغم أن مجلس الامن احال مقترح موغيريني إلى لجنة من الخبراء الدوليين لصياغة مسودته تحت الفصل السباع لكن معارضة من نوع آخر بدت تطفوا إلى السطح..

وربما تكون هي أكثر خطورة على تنفيذه من دهاليز مجلس الأمن الدولي والتي بات عبوره منها شبه آمن، غير ان دولة مثل ليبيا تبدو موافقتها هي الاهم باعتبار ان معظم المحللين يرون ان في تعاونها نجاحا لمهمة قوات الاتحاد الأوروبي وعرقلتها للمهمة تعني الفشل باعتبارها العنصر الاهم في ارض المعركة.

وقامت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، بمساعدة من بعض الخبراء في شؤون الهجرة واللاجئين، بتفسير القرارات الرئيسية وتحليل أثرها المحتمل:

كان يُنظر على نطاق واسع إلى عملية البحث والإنقاذ الإيطالية، التي تعرف باسم »بحرنا«، التي امتدت من أكتوبر 2013 حتى نوفمبر 2014، على أنها عملية فعالة. مع ذلك، فقد اعتمدت إلى حد كبير على دولة واحدة من الدول الأعضاء وتم وقفها عندما لم تحصل على مزيد من الأموال من الاتحاد الأوروبي.

استهداف المهربين

وتشمل التدابير الجديدة الصارمة لمكافحة مهربي المهاجرين جهودا منظمة لتحديد السفن والاستيلاء عليها وتدميرها قبل أن يتم استخدامها، وتقديم الجناة إلى العدالة، وإطلاق عملية مدنية-عسكرية، والقضاء على الإعلانات التي يبثها المهربون على شبكة الإنترنت ويحاولون بها زيادة زبائنهم.

وتعليقاً على ذلك، قالت تيوزداي ريتانو، رئيس المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، ان معظم هذه المبادرات جاءت متأخرة جداً بحيث لم يعد لها أثر حقيقي على المشكلة التي تركت دونما علاج حتى استفحلت.

وتزيد ريتانو لقد أصبحت المشكلة أكثر تعقيداً بكثير مما يُصعِّب حلها الآن مقارنة بالحال لو تم السعي لحلها منذ سنة مضت. وأضافت لقد تمكن المهربون من مد جذور ومخالب انتشرت على نطاق واسع جداً. تشجع الشبكات القائمة الكثير من المهاجرين الجدد، وهو ما يتضح من تنوع جنسيات القادمين إلى أوروبا.

لدينا أدلة على أن هناك الآن حاويات مليئة بالقوارب المطاطية يجري شراؤها من آسيا وشحنها إلى ليبيا، وهذه القوارب أقل أمناً وقابلة للاستبدال إلى ما لا نهاية.

امنعوهم من المجيء

وتهدف التدابير المزمعة مثل زيادة التعاون مع الشركاء في الدول الافريقية عن طريق مساعدتهم في تحسين مراقبة حدودها البرية والبحرية، بالأساس إلى ضمان عدم وصول المهاجرين أبداً إلى الشواطئ الأوروبية.

أما اتفاقات إعادة القبول التي تسمح للاتحاد الأوروبي بإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى الدول المجاورة لحدودها مثل تركيا وتونس تتم بالفعل، وكذلك مبادرات مختلفة للعمل مع البلدان الافريقية، مثل »عملية الخرطوم«. وحول هذه التدابير، قال بوليت من المجلس الأوروبي المعني باللاجئين والمنفيين إنها تعتمد على الإجراءات القائمة بالفعل...

ولكن هذا النهج الأحادي الجانب لوقف تدفق المهاجرين نحو أوروبا ونقل العبء إلى البلدان الموجودة على طريق الهجرة، وتحميلها مسؤولية منعهم من الوصول إلى أوروبا. وأضاف قائلاً إذا لم يقترن هذا بالتزام واضح للقيام بنصيبنا وقبول عدد أكبر من المهاجرين، فمن الواضح أنها لن تكون ذات جدوى.

إعادة التوطين

وبعيداً عن الالتزام بقبول عدد أعلى من اللاجئين من خلال عملية إعادة التوطين كما حثت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قبل اجتماع بروكسل، لم يتعهد الاتحاد الأوروبي سوى بإنشاء مشروع تجريبي طوعي.

وفي حين أن نسخة أولية سابقة للبيان قد عرضت إعادة توطين متواضعة جداً وهي 500,000 شخص، إلا أن المسودة النهائية الواردة لم تشمل أي أعداد على الإطلاق.

ومن المتوقع أن يتم تنفيذ البرنامج الخاص بنقل طالبي اللجوء من دول المواجهة المثقلة باللاجئين مثل إيطاليا واليونان إلى الدول الأعضاء الأخرى، على أساس طوعي، ولكنه لا يزال قيد الدراسة.

وقال بوليت يمثل هذا الأمر خيبة أمل كبيرة بالنسبة لنا لم نتوقع منهم التعهد بقبول 500,000 شخص، ولكن كان هناك شعور بأهمية هذا الموضوع.

ووصف ستيفان كيسلر، مسؤول السياسات في الجمعية اليسوعية لخدمة اللاجئين في أوروبا، الافتقار إلى الالتزام بإعادة التوطين بأنه مخيب للآمال.

وقال بشكل عام، الرسالة الواضحة من هذا الاجتماع: هي الإبقاء على حماية طالبي اللجوء بعيداً عن أوروبا بحيث لا تتصدر وفياتهم العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام الأوروبية.

مخاطر

قالت الصحافية والناشطة الحقوقية الأريترية ميرون اسطافانوس إن المخاطر التي تحملها هؤلاء المهاجرون عند الصعود على متن قوارب المهربين على أمل الوصول إلى أوروبا معروفة جيداً، ولكنها مرحلة واحدة فقط من العديد من المراحل المحفوفة بالمخاطر في رحلة لن تنتهي بالوصول إلى أوروبا بالنسبة للكثيرين منهم.

وأردفت أن عبور البحر هو مجرد الجزء الأخير الصغير، نستمع بانتظام لروايات مؤلمة من طالبي اللجوء الإريتريين في مراحل مختلفة من رحلاتهم الطويلة.

في عام 2014، أصبح الإريتريون الفارون من القمع والخدمة العسكرية غير المحددة المدة في بلادهم ثاني أكبر جنسية تصل إلى جنوب أوروبا بعد السوريين، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة. ولكن قبل الوصول إلى سواحل ليبيا، من حيث تغادر غالبية القوارب، يتعرض الكثيرون منهم للخطف والاحتجاز والاغتصاب والتعذيب أثناء الرحلة.-

1990 2013

أفادت دراسة أجراها باحثون في جامعة أمستردام أن السياسات الأوروبية التي اتبعت خلال العشرين عاماً الماضية للقضاء على الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط ادت الى ايجاد »سوق للمهربين«.

وقال توماس سبيكربور الاختصاصي في حقوق اللاجئين في جامعة امستردام، خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة قام الأوروبيون بمواءمة سياساتهم المتعلقة بالهجرة وجعلها اكثر تشدداً. وفي الفترة نفسها شهدنا ارتفاعا مستمرا في عدد الموتى. نعتقد ان هناك ارتباطاً بين الاثنين.

اشرف سبيكربور على دراسة عن عدد المهاجرين الذين سعوا للوصول عبر البحر وعثر على جثثهم قبالة اليونان ومالطة وايطاليا وجبل طارق واسبانيا بين 1990 و2013.

واضاف بدلا من القضاء على الهجرة، ادت السياسات المتشددة الى خلق سوق للمهربين. ردا على العدد المتزايد للدوريات البحرية، بات المهربون يستخدمون اليوم طرقا أطول وسفنا أقدم، ما يزيد من خطورة العبور.

أحصت الدراسة 3188 قتيلا وهو عدد اقل بكثير عن التقديرات المتوفرة وذلك بسبب طريقة الحساب المعتمدة.

وتعمل السلطات الأوروبية حاليا على ايجاد حل لمشكلة عشرات الالاف من المهاجرين الذين يسعون كل سنة لاجتياز المتوسط انطلاقا من سواحل افريقيا ولا سيما من ليبيا.

وقضى نحو 1800 شخص بعد غرق او جنوح السفن او المراكب التي كانت تقلهم منذ بداية السنة وفق المنظمة الدولية للهجرة. وتريد اوروبا ان يسمح لها بالتدخل عسكرياً لمنع السفن من الوصول الى شواطئها. وقال سبيكربور، ان السياسات الأوروبية تقوم على رؤية ضيقة. لا يبدو انها تعمل ومع ذلك لا يأخذ المشرع مسافة ليفكر، وانما يشدد سياسته. امستردام -الوكالات