منذ بداية العام الجاري ابتلع البحر الأبيض المتوسط مئات الضحايا من المغامرين الذين استقلوا زوارق الموت من الضفة الجنوبية سعياً وراء وهم الاستقرار ولقمة العيش في بلدان الشمال.
وبحسب الناطق باسم منظمة الهجرة الدولية جويل مليمان فإنّ أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا الغرقى في البحر المتوسط، ارتفعت 30 ضعفاً عن مثيلاتها من الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يرده المراقبون إلى تأزم الوضع في ليبيا، وخصوصاً بعد سيطرة ميلشيات فجر ليبيا على المنطقتين الغربية والوسطى اللتين تعتبران أهم نقطة انطلاق موجات الهجرة السرية نحو الضفة الشمالية للمتوسط، إضافة الى ارتفاع وتيرة العنف في بؤر التوتر واتساع دائرة الفقر والبطالة في دول الجنوب.
وفي العام الماضي وصل نحو 219 ألف مهاجر إلى الضفة الشمالية لـ «المتوسط» بحسب تقارير منظمة الهجرة الدولية، بينما بلغ عدد السائرين على خطاهم في الربع الأول من العام الجاري نحو 35 ألف مهاجر، أغلبهم انطلق من الساحل الليبي.
غير أن ما حدث أخيراً من غرق مركب على متنه 850 مهاجراً، في سابقة هي الأولى من نوعها من حيث عدد الضحايا، دفع المجتمع الدولي إلى إطلاق صفارة الإنذار، كما أعلنت الدول الأوروبية حالة النفير العام بعد أن تحول البحر الأبيض المتوسط إلى «القبر» الأبيض المتوسط.
كما لفت حجم الكارثة انتباه العالم إلى حقيقة ما يدور على الأراضي الليبية من تمرد مسلّح على الشرعية تقوده ميلشيات فجر ليبيا والحكومة الموازية في طرابلس أدى إلى اتساع دائرة الانفلات الأمني في هذا البلد بما ساعد على انتشار أكبر للعصابات المتخصصة في المتاجرة بالبشر وتنظيم رحلات الهجرة السرية بدعم مباشر من عدد من أمراء الحرب الذين يعملون بكل الوسائل على جمع المال لشراء السلاح والذخيرة ودفع أجور المقاتلين من المرتزقة.
وكان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر واضحاً عندما قال: «نحن بحاجة إلى محاور موثوق به ومستقر في ليبيا لمواجهة الهجرة السرية»، في إشارة إلى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية.
غير أن مراقبين يشيرون إلى أن أي حل سياسي في ليبيا لن يساعد على سيطرة الدولة على أراضيها إذا لم تحلّ الميلشيات ويجمع السلاح ويستبعد أمراء الحرب من المعادلة السياسية والأمنية والعسكرية، لأسباب عدة، منها امتداد الساحل الليبي على مسافة 2000 كيلومتر وانفتاح أجزاء مهمة منه على الصحراء الكبرى الشاسعة التي تصعب السيطرة عليها..
إضافة إلى أن الصراع السياسي والعسكري الحالي في ليبيا وسيطرة الميلشيات جعل من تنظيم رحلات الهجرة السرية مصدراً للمال تستفيد منه ميلشيات فجر ليبيا وتنظيم أنصار الشريعة، وكذلك تنظيم داعش الذي تخشى التقارير الأمنية السرية في دول المنطقة من أن ينجح في تسريب إرهابيين إلى الضفة الشمالية لـ «المتوسط» على أنهم مهاجرون عاديون يبحثون عن لقمة العيش قبل أن يتحولوا إلى خلايا إرهابية جاهزة لتنفيذ أوامر التنظيم.
مراكب الموت
وفي فبراير الماضي هدّد تنظيم داعش الإرهابي، بإرسال 500 ألف مهاجر في وقت واحد في مئات من القوارب ليكونوا سلاحاً نفسياً ضد أوروبا في حال تمّ اتخاذ قرار بتدخل عسكري ضد فرع التنظيم في ليبيا..
في حين تساءلت تقارير إعلامية أوروبية عن إمكانية استغلال زيادة أعداد المهاجرين إلى أوروبا في نقل المقاتلين والجهاديين إلى القارة في ظل التهديدات التي أطلقها تنظيم داعش في ليبيا بشأن غزو أوروبا ومهاجمة دولها، مشيرة إلى تحذير إيطاليا ومصر من استغلال تنظيم داعش عمليات الهجرة غير الشرعية لنقل مقاتليه إلى أوروبا.
وأكد تقارير دولية أنَّ الجماعات المسلحة، وبينها «داعش»، تستغل بالفعل الفوضى في ليبيا وتعمل في مجال تهريب البشر وتهريب المهاجرين، مشددة على أنَّ ربحية تجارة مثل الاتجار في البشر تغري بعض الجماعات المسلحة الليبية بالدخول فيها لزيادة مصادر تمويلهم، وبالنسبة إلى تنظيم «داعش»، تعد تلك الأرباح من الحوافز الإضافية، إذ إنَّ قيادته تعتبر ليبيا بوابة استراتيجية لأوروبا يمكن استغلالها في التمدد والاتساع.
وبحسب الباحثة في شؤون الإرهاب واللاجئين في أوروبا كريستين موانرت فإنَّ المسلحين يستخدمون طرق الهجرة السرية، التي يستخدمها مهربو المخدِّرات والبشر، للوصول إلى أوروبا بعيداً عن المطارات والطرق الاعتيادية، مضيفة أنّ «خطر هذه الظاهرة واضحٌ، لكن يصعب التعرُّف إلى هذه الطرق أو اعتراض المراكب».
وأكدت موانرت أنَّ تنظيماً مثل «داعش» قد يستخدم تلك الطرق، رغم عدم فعاليتها وخطورتها، في جذب المقاتلين وتجنيدهم من مختلف الدول..
وهو ما جعل رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس يؤكد أن الخطر الإرهابي أصبح يشكل تهديداً مباشراً على أمن أوروبا، مبرزاً أن ليبيا تشكل خطراً كبيراً وتهديداً مباشراً لأوروبا، بعد أن تمكن تنظيم داعش من إنشاء معقل جديد في الضفة الأخرى للمتوسط، حسب قوله، ما يستوجب ضرورة إيجاد استراتيجيات دفاعية جديدة للتصدي لكل التهديدات.
عصابات تجارة البشر
ويزداد المشهد تعقيداً بعد أن أكّد وزير الداخلية الليبي أحمد بركة اكتشاف عصابات مختصّة في تجارة البشر تعمل على الحدود التونسية الليبية، مضيفاً أنّ المجموعة المذكورة تتكوّن من إرهابيين ومهرّبين من تونس واليمن وبعض السوريين، فيما تحمل قياداتها الجنسيتين التونسية واليمنية.
وقال بركة إن الإرهابيين يعملون عادة انطلاقاً من مدينتي مصراتة وزوارة (غرب ليبيا) ومن المينائين البحريين بهما مما يساعدهم على التسلل في أكثر من مناسبة إلى ميناء جرجيس التونسي المتاخم للحدود مع ليبيا، مبرزاً أنّ تجار البشر يعملون على نقل الجهاديين إلى سوريا وليبيا حيث تنظيم داعش إلى جانب تسفير الأشخاص خلسة عبر الموانئ إلى أوروبا وبالتحديد إيطاليا.
وشدّد بركة على أن الجهات الليبية الشرعية فتحت تحقيقاً في الغرض وتمّ إلقاء القبض على بعض العناصر التي اعترفت بكل التفاصيل الخاصة بتجارة البشر، وكذلك بالتورط في تجارة الأعضاء وأكياس الدم، حيث تم تهريب آلاف الأكياس إلى طرابلس وتم تقديمها إلى الجرحى التابعين للجماعات الإرهابية، بما فيها تنظيم داعش.
تجار رقيق
ووصف وزير خارجية إيطاليا باولو جينتيلوني مهربي المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا بأنهم تجار رقيق القرن الحادي والعشرين، محذراً من أن بلاده ستتخذ إجراءات محدودة ضد مهربي البشر في شمال غرب ليبيا.
ويرى المحلل السياسي والكاتب الصحافي الليبي عمر الكدي أنه «ليس جديداً على ليبيا الاتجار في البشر.. ففي العصر القرهمانللي كان المصدر الأساسي للاقتصاد الليبي هو تجارة العبيد والقرصنة..
وأدى هذان النشاطان إلى مواجهات مع جميع الدول الأوروبية تقريباً، كما أدى إلى نشوب أول حرب تخوضها الولايات المتحدة خارج حدودها بين عامي 1801، و1804»، مشيراً إلى أنه توجد في غرب ليبيا بنية تحتية متكاملة لتهريب البشر عبر البحر المتوسط منذ عهد القذافي.
بيزنس الهجرة السرية
جاء تحذير حكومة طرابلس (الموازية) للاتحاد الأوروبي من اتخاذ أي إجراءات ضد العصابات المنظمة لعمليات الهجرة غير الشرعية ليسلط الضوء على الدور الذي تقوم به ميلشيات فجر ليبيا في هذا المجال، إذ تشير التقارير إلى أن الميلشيات تعتمد على هذا النشاط في تحقيق أرباح مالية مهمة..
حيث تفتح المطارات والمنافذ البرية والبحرية الواقعة تحت سيطرتها لاستقبال الفارين من بؤر الحروب والأزمات في دول عدة مثل: سوريا والعراق وفلسطين واليمن والسودان والصومال ونيجيريا ومنطقة الساحل والصحراء، إضافة إلى الدول المجاورة كتونس ومصر، ثم تتولى نقلهم إلى مناطق ساحلية مثل صبراتة وزوارة وصرمان والزاوية والخمس وزليتن حيث تنطلق منها زوارق الموت نحو الساحل الشمالي للمتوسط، وخاصة الجزر الإيطالية.
ويرى المراقبون أن الحكومة المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته والتي يسيطر عليها الإسلاميون وأمراء الحرب تسعى من خلال هذا الموقف إلى ابتزاز الأوروبيين من خلال محاولة وضعهم أمام الأمر الواقع بما يفرض عليهم التفاوض مع الحكومة غير الشرعية في ليبيا، وهو ما دفع بعواصم عربية وغربية إلى التأكيد على ضرورة دعم الشرعية في ليبيا من أجل قطع الطريق أمام تجار البشر والواقفين وراء الهجرة السرية..
ومن ذلك ما جاء على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية بدر عبدالعاطى الذي جدد تأكيد بلاده على ضرورة تحرك المجتمع الدولي لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية بما يحفظ أرواح الأبرياء الذين يتم استغلالهم من قبل عصابات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية في ليبيا من خلال تقديم كافة المساعدات الممكنة للحكومة الليبية الشرعية لضبط السواحل ومحاربة تلك الجماعات والتنظيمات المتورطة في الاتجار في البشر والقيام بعمليات الهجرة غير الشرعية مقابل مكاسب مادية.
1000
بحسب التقارير فإن الشخص الراغب في عبور «المتوسط» يضطر لدفع مبلغ مالي يعادل الـ1000 دولار لكي يتمكن من مغادرة الأراضي الليبية.
وتفيد التقارير بأنّ الميليشيات المتشددة لا تتورع في استغلال هذه العائدات في التسليح وتمويل عملياتها.
