«المتوسّط مقبرتنا المائية»، «عارٌ على جباهنا يتكرّر كل يوم» و «ما نأكل من سمك في المساء قد يكون تغذّى بلحم بشرٌ قدموا من الجنوب».
هذه بعض من الجمل التي يردّدها الإيطاليون أو الأفكار التي تراودهم حين يشاهدون شاشات التلفزيون وهي تعرض في كل ليلة السِفر اليومي لمأساة المتوسط وبارتفاع متواتر لعدد الغرقى ولموجات القادمين من البحر، الذين ركبوا عبابه دون ان ينظروا ما تحت اقدامهم من خشب سفن هرأتها السنون وصارت بمثل تابوت طاف على سطح الماء يغرق في عباب البحر لمجرّد لمسة موجة.
ولم ينتبه المهاجرون إلى ذلك لأن عيونهم كانت منشغلة بالتحديق الى الافق البعيد الذي بدا لهم وكأنه صار على مرمى حجر، ولم ينتبهوا إلى هشاسة خشب القوارب إلاّ عندما تحطّمت تحت عنف ضربات الموج، ونثرت عدداً منهم اشلاءً في عرض البحر على موائد سمك آخر..
واحتبس الخشب المهترئ عدداً آخر منهم، وقد كشفت عن ذلك عملية تحرٍ أجرتها قبطانية ميناء كاتانيا للسفينة الخشبية الجانحة في قعر البحر على عمق 370 متراً على بعد 85 كيلومتراً من الساحل الشمالي الشرقي لليبيا.
تابوت بطول 21 متراً وعرض وارتفاع ثمانية أمتار، حمل في أحشائه في الثامن عشر من أبريل الماضي 750 شخصاً غرقوا في البحر. وقد أظهرت كاميرات المسبار البحري وجود عدد من جثث الغرقى الذين ما يزال خشب القارب يتشبّث بها، وقد يكون من العسير انتشالها في القريب العاجل، ما يعني أنهم ذهبوا لينضموا إلى سكنة تلك المقبرة المائية الكبيرة التي صار عليها المتوسّط في السنوات الأخيرة منذ اندلاع ظاهرة الهجرة غير القانونية.
لا مبالاة
تكرار حالات غرق سفن المهاجرين، كغيره من الأحداث المتكرّرة والمكرّرة، قد تُصيب القارئ والمشاهد بالتخمة، لذا لن تعود مثيرة إلاّ إذا ارتفع عدد الضحايا بشكل كبير. وهذا ما حدث في الأيام الماضية في البحر المتوسط، حين ابتلعت الأمواج 750 شخصاً، ما دعا إلى اجتماع أوروبي عاجل، بدا مخصّصاً للإعلام وتنقية الضمير، اكثر من كونه ملتقى لرسم الحلول للحؤول دون تكرار مآسٍ اخرى.
وإزاء السلبية المطلقة التي تتعامل بها أوروبا ومؤسسات الاتّحاد الأوروبي مع ظاهرة الهجرة الحالية، واقتصار إسهاماتها على الدعم المالي والتقني، وفي ظل غياب استراتيجية أوروبية واضحة إزاءها، دعا الرئيس الإيطالي سيرغو ماتّاريلا إلى «خفض مستويات الأنانيات» في التعامل مع ملف الهجرة، ومواجهة هذه المأساة بأسلوب إيجابي.
وعبّرت مفوّضة السياسات الخارجية للاتّحاد الأوروبي عن «الإحساس بالخجل عندما أرى أوروبا تستيقظ كل صباح وتشهد أمام ناظريها مسلسل الموت في البحر. ما نحتاج إليه الآن بالفعل هو أن تمتلك أوروبا كلمة واحدة وواضحة إزاء هذه المأساة».
غياب تضامن
لكن تلك الكلمة الواحدة والواضحة بالذات هي ما تغيب، ويرى رئيس البرلمان الأوروبي مارتين شولتز بأن المعضلة الحقيقية في حل هذه المشكلة الكبيرة هو «ضآلة مشاعر التضامن ما بين الدول الثماني والعشرين، الأعضاء في الاتّحاد». ويُضيف: «بدون مستوى التضامن المطلوب بين الدول الأعضاء لن يكون بمقدورنا حل مشكلة المهاجرين».
وكشف شولتز أن «المفوّضية الأوروبية ستتقدّم بمقترحات، وأضمن لكم من الآن بأن عدداً من رؤساء الدول الأعضاء سيُبدي معارضة بشأنها، وسيعلنون عن عجزهم لتنفيذ تلك المطالب»..
مشددا على أن «90 في المئة من المهاجرين يتّجهون نحو الاستقرار في تسع من دول الاتّحاد، ونحن 28 دولة، لهذا أدعو إلى اقتسام الأعباء بروح تضامنية، ليس علينا أن نكّرر السؤال حول ما سيفعله للاتّحاد الأوروبي في هذا الصدد، بل السؤال حول ما تُنفّذه حكومتنا».
ناقوس خطر
ويدقّ زعيم حركة «5 نجوم» المعارضة الكوميدي السابق بيبّي غريلّو ناقوس الخطر، محذرا من نتائج انشغال أوروبا عن بحث حلول ناجعة لملف الهجرة، ويقول: «ليس مسموحاً لنا أن نترك أناساً هربوا من الحروب ونتجاهلهم في عرض البحر. ينبغي افتتاح مكاتب في الدول التي ينطلق منها المهاجرون وإقرار من منهم يمتلك شروط الرحيل إلى أوروبا، وترحيلهم عبر رحلات جويّة».
ويُضيف غريلّو: «ينبغي، بالإضافة إلى هذا توزيع المهاجرين على الدول الأوروبية، وإذا ما كان من نصيبنا خمسة في المائة منهم، فسنقوم باستقبالهم وإيوائهم بالشكل المطلوب، لكن ينبغي ترحيل المهاجرين غير القانونيين دون أي إبطاء». وشدّد غريلّو على أن «المهاجرين يواجهون واحداً من خيارين، إمّا أن يعيشوا أو أن يموتوا، ولن يوقفهم عن الرحيل أحد أو شيء».
داعيا إلى تغيير اتّفاقية دبلن، التي صادقت عليها جميع الأحزاب الإيطالية، بمن فيهم «إلى الأمام يا إيطاليا» و«رابطة الشمال»، وينبغي أن ينصّ التغيير على عدم السماح لمن وصل إلى إيطاليا وطلب فيها اللجوء السياسي بالانتقال إلى بلد أوروبي آخر.
وسخر غريلّو من الترويج الدعائي الذي تحاول به «رابطة الشمال» استعداء المعدمين الإيطاليين تجاه المهاجرين قوله إن «ما تُرائي به الرابطة عن دفع أربعين يورو في اليوم إلى المهاجر الذي يصل إلى إيطاليا، ليس إلاّ كذبة، وإذا ما بحثت عن المهاجرين في ميلانو فستجدهم متكدسين في فنادق كانت مُغلقة ومُعطّلة، إضافة إلى استغلال البعض للمهاجرين.
3717
أنقذت البحرية الإيطالية منذ مطلع العام الجاري 3717 شخصاً، من بينهم 722 و 556 طفلاً. فيما ينتقد النائب في البرلمان الإيطالي خالد شوقي ما يجري قائلا إن «مجزرة أخرى في مياه المتوسّط. من العار مواصلة النظر إلى هذه المأساة دون مبالاة من قبل دول الاتّحاد الأوروبي». البيان
