معضلة جديدة تواجه القادة الأوروبيين، فقارتهم «العجوز» التي ورغم كبرها، صار يحج إليها آلاف الأشخاص عبر قوارب مهربين وتجار بشر يأتون بهم ليموتوا بالجملة على شواطئها الذهبية.
المعضلة التي كانت في الأمس القريب مجرد ظاهرة اجتماعية مثلها مثل باقي الهجرات التي يقوم بها سكان الجنوب الفقير نحو الشمال الغني في أي منطقة من الكرة الأرضية، صارت اليوم كارثة إنسانية هي الأكثر خطورة في البحر الأبيض المتوسط منذ الحرب العالمية الثانية، فحسب المنظمة الدولية للهجرة فإن أكثر من ألفي مهاجر قتلوا في المتوسط منذ مطلع العام، وهو عدد أكبر 30 مرة من حصيلة الفترة نفسها من 2014.
الهجرة السرية نحو أوروبا لم تكن بالظاهرة الجديدة على القارة العجوز، فمنذ استقلال غالبية الدول الإفريقية والعربية، سنوات الستينات والسبعينات، وبداية مرحلة البناء في الثمانيات والتسعينات بدأ حلم الهجرة نحو الضفة الأخرى من المتوسط يراوغ مئات الأفارقة والعرب، للعيش «حيث العشب أكثر اخضراراً» وللكلمة وزنها في بلاد الحريات والديمقراطيات.
لكن مع هبوب رياح الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة عربية وزادت من هشاشة أخرى، ومع ظهور تنظيمات إرهابية جديدة وزيادة قوة تنظيمات أخرى كانت موجودة، زادت حدة الهجرة غير الشرعية وصار الآلاف من الأشخاص يضحون بكل شيء من أجل بلوغ السواحل الأوروبية والمخاطرة لحد الموت على البقاء في بلدانهم.
فحسب إحصائيات المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، حاول أكثر من 207 آلاف مهاجر عبور المتوسط منذ مطلع السنة، وهو عدد يفوق بنحو ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق الذي سجل عام 2011، حين فر 70 ألف مهاجر من بلادهم في خضم الربيع العربي.
براءة الربيع
عبدالنور بن عنتر الباحث في العلاقات الدولية في جامعة باريس 8، يعتبر أن الهجرة غير الشرعية ليست ظاهرة جديدة، ولكن مفهومها وأسبابها تغيرا، ففي سنوات الثمانيات والتسعينات، كانت قوارب المهاجرين تأتي خصيصاً من بلدان شمال إفريقيا لأسباب اقتصادية ولتحسين الأوضاع المعيشية..
أما اليوم فالظاهرة تضاعفت وستتضاعف حتماً في المستقبل، لأنه إضافة إلى أن المئات من المهاجرين الذين يأتون لأسباب اقتصادية، الكثير منهم كذلك يركبون قوارب الهجرة لأسباب أمنية فهم يهربون من الحرب.
ويبرئ الباحث الربيع العربي من أي مسؤولية فيما يحدث، حيث يقول إن الربيع العربي بريء من مأساة المهاجرين التي تحدث يومياً على شواطئ أوروبا، فالربيع العربي لم يكن سبب الظاهرة الموجودة منذ القدم بل ربما سرع من وتيرتها فقط، فبغض النظر عن المهاجرين السوريين، غالبية الذين يموتون اليوم يأتون من إفريقيا ومن بلدان لم تشهد ربيعاً عربياً..
ويمضي قائلاً: السبب الرئيسي فيما يحدث هو انهيار النظام الليبي الذي أسقطته قوى غربية لأسباب سياسية وتصفية حسابات، لتترك الليبيين وحدهم غارقين في حالة اللاأمن والخراب..
فنظام القذافي في السابق كان يقايض الدول الأوروبية بمسألة المهاجرين ولم يكن يتحكم فيها، وبانهياره (النظام الليبي) غاب من يراقب هذه السواحل في الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، بل أكثر من ذلك صارت هنالك مليشيات وجماعات إجرامية مختصة في ذلك.
عبور ومتاجرة
كانت ليبيا على مدار السنين بلد عبور تاريخياً للمهاجرين غير الشرعيين من القارة السمراء ودول آسيا الفقيرة نحو الضفة الأخرى من المتوسط بسبب موقعها الجغرافي وقربها من أوروبا، فالسواحل الليبية لا تبعد بأكثر من 300 كلم فقط عن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية..
كما أن ساحلها الواسع الذي يبلغ طوله ألف و770 كلم جعل منها محطة إبحار واسعة للهجرة إلى الساحل الأوروبي المقابل، كما تتشارك كذلك بحدود برية كبيرة بطول نحو خمسة آلاف كيلومتر مع مصر والسودان والنيجر وتشاد والجزائر وتونس.
ومنذ عهد العقيد معمر القذافي لم يكن الليبيون قادرين على السيطرة على حدودهم البرية التي يعبرها مئات الأشخاص القادمين خصوصاً من جنوب الصحراء وشمال النيجر، حيث ينقلون عبر شبكات من المهربين الذين يأتون بهم إلى منطقتي الكفرة وسبها اللتين تعدان أهم مناطق تجمع المهاجرين في جنوب ليبيا.
وكان القذافي يطالب أوروبا بخمسة مليارات يورو سنوياً من أجل مراقبة حدودها ومكافحة الهجرة، وهو ما حدث فعلاً بين عامي 2008 و2011 حيث توقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا بعد توقيع معاهدة بين روما وطرابلس، تعهدت بموجبها إيطاليا بتقديم خمسة مليارات دولار إلى ليبيا في مقابل وضع ضوابط أكثر صرامة على موضوع الهجرة.
معضلة المهاجرين
وترى الدكتورة ريم عبشة، عضو المجلس الأميركي للقانون والتحكيم التجاري بباريس، ومندوبة ليبيا لدى منظمة اليونسكو، أن مكافحة الهجرة الآن لم تعد مسؤولية ليبيا وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي ودول الجوار بحكم الحدود البرية والبحرية الواسعة التي تجمعها بالكثير من الدول التي بدأت فعلاً في التحرك لوضع تشريعات وقوانين تحكم هذا الأمر.
فليبيا، حسب ريم عبشة، تعاني من ويلات الحرب الداخلية التي تدار بأيد خارجية، فهي غير قادرة على مواجهة هذا الأمر منفردة، لذلك على الأوروبيين التحرك عسكرياً لوضع حد لذلك، كإيطاليا مثلاً التي تريد التوصل إلى تفويض دولي لإيقاف القوارب قبل مغادرتها ومد حالة الطوارئ...
كما يجب على الأوروبيين، تضيف ريم عبشة، التحاور مع جهات الشرعية المعترف بها من المجتمع الدولي لا مع المليشيات المسلحة التي تسهل دخول المهاجرين من أجل استخدامهم لأغراض تخدم مصالحهم وتوظيفهم لديها مقابل المال.
ويرى قادر عبدالرحيم، الباحث في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، بأنه من الضرورة التعامل مع سبب المشكلة وليس النتائج، فهؤلاء الذين يريدون المجيء إلى أوروبا سيجدون دائماً نقاط دخولهم، كما أن التهريب يعود بالكثير من الأموال، لذلك فإن المهربين سيجدون دائماً السبل المناسبة، ولذلك من المستحيل حل المشكلة بالقوة.
فوضى
منذ سقوط نظام القذافي لم تعد هنالك حكومة فعالة في ليبيا للحد من الاتجار في البشر، أو حتى لضمان المراقبة الدنيا للحدود، وصار من السهل جداً على المهربين نقل المهاجرين في جميع أنحاء ليبيا من دون وجود قوات من الشرطة أو الجيش لوقفها.
