لليوم الثاني على التوالي، واصل «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» في أبوظبي، مناقشاته خلال الجلسات الصباحية والمسائية، وورش العمل التفاعلية للعديد من القضايا والمفاهيم والمصطلحات الملتبسة في الفكر الإسلامي، مثل مفاهيم الجهاد والحاكمية والتكفير والخلافة، وغيرها من المفاهيم التي ينطلق منها التكفيريون ودعاة الإرهاب والتطرف، في محاولة لتأصيلها وبيان مقاصد الشرع منها.

وتميز اليوم الثاني من فعاليات المنتدى الذي تستضيفه دولة الإمارات العربية المتحدة للمرة الثانية منذ انطلاقته في مارس العام الماضي، بتنظيم مجموعة من ورش العمل التفاعلية تناولت قضايا «الجهاد والقتال»، و«التكفير» و«تقسيم المعمورة» و«تأصيل السلم» و«السلم في الإسلام بعيون غربية»، وما الذي يمكن أن تقدمه الجامعات الإسلامية لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وجرت النقاشات بمشاركة 41 عالماً ومفكراً وباحثاً، من المشهود لهم بدراساتهم الفكرية والفقهية ومصداقيتهم المعرفية.

تعامل جزئي

وتحدث الداعية الإسلامي الحبيب علي الجفري عن قضية التكفير، وقال إنه مرت علينا عقود ونحن نتعامل مع هذه الإشكالية تعاملاً جزئياً يكتفى فيه بإيراد النصوص التي تنهى عن تكفير المسلم، وحصل إغفال لمناقشة المنظومة بشكل كامل..

وأضاف أن هناك منظومة يمكن تلخيصها في سبع منطلقات تعد الأساس، إن قام أهل العلم الشرعي بتنبيه الناس إليها ووضوح الرؤية حولها، وأولها قضية الحاكمية، وهي إشكالية كبيرة نقلت من كونها بحثاً فقهياً إلى رتبة العقيدة وتم تجاهل ما عليه أهل السنة والجماعة، وترتب على هذه القضية تكفير كل من لم يحكم بما أنزل الله، وترتب على ذلك وجود عصبتين عصبة مؤمنة وأخرى كافرة وهو المنطلق الثاني.

وتحدث الجفري عن قضية الاستعلاء الذي تحدث عنها سيد قطب، وأن مفهومه يشير إلى أن العصبة المؤمنة يحق لها أن تستعلي على غيرها في المجتمع، وهو بطبيعة الحال مخالف للشريعة بنص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

كما تناول قضتي حتمية الصدام والخلافة التي تحولت من مبحث فقهي إلى أصل من أصول العقيدة، وأصبحت القضية إيماناً وكفراً، كما تحدث عن قضية التمكين وختم بقوله نحتاج إلى جهد صادق ومتنوع في تأهيل هذه المنطلقات لتصويب البوصلة الخاصة بكل مبدأ من تلك المبادئ، والعمل على توصيل حقيقتها للشباب والعامة.

مبادئ التأصيل

وقدم الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب الدكتور أحمد العبادي، دراسة بعنوان «مفهوم السلم في الإسلام - مبادئ التأصيل وآليات التعزيز»، واستعرض تأصيل مصادر السلم بدءاً من التأسيس القرآني الكريم والبيان النبوي الشريف، مروراً بالتأصيل الاعتقادي الاستشرافي للسلم، وضرورة الوعي بالسياق الكوني المعاصر الذي تعيش به المجتمعات المسلمة، وصولاً إلى التأصيل التربوي والاقتصادي والسياسي للسلم.

ودعا إلى ضرورة بعث القيم التي تحث المرء على القيام بالواجب من أعمال الخير والمعروف والبر، أي واجب الفرد تجاه الآخر القريب أو البعيد، أو تجاه المجتمع عموماً من دون تمييز، بموازاة إعداد الأئمة لجهة القدرة على إبصار الآيات العلامات، القادرة على تنوير الإنسان.

قواعد منهجية

وتناولت ورقة رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية السابق د. عبدالناصر أبوالبصل، الحديث عن القواعد المنهجية لفهم أحكام الجهاد، وقال إن آيات الجهاد المذكورة في القرآن ذكر أسباب نزولها ومواقفها، مشيراً إلى أن الاجتهادات الخاطئة والنوايا السيئة تعد إشكالية كبرى اختطفت مفهوم الجهاد.

وأضاف، لا يصح التعامل مع النصوص دون معرفة أصول التعامل مع القرآن والسنة، وأن أحكام الجهاد جزء من النظام العام الشرعي، ولابد أن تطبق قواعد السياسة الشرعية للجهاد المحكومة بالغايات والمقاصد الشرعية، وأنها تدابير مؤقتة وليست دائمة وموكولة لولي الأمر.

وأشار إلى أن التطبيق الواقعي للجهاد مما يشاع حالياً، جاء على النقيض من مفهوم الجهاد في الإسلام، ما تسبب في ظهور المسلمين بمظهر العنف والإرهاب، كما أشعل نار الفتنة وشغل الأمة عن قضاياها الملحة، والتفريق بين كلمة المسلمين ووحدتهم.

السلم أحق

فيما تحدث وزير الثقافة الإيراني الأسبق الدكتور عطاء الله مهاجراني حول «أسلوب النقاش وأصالة السلام»، فلاحظ أن مقولة الشيخ عبدالله بن بيه: «إذا كانت المطالبة بالحق حقاً فإن البحث عن السلم أحق»، تختزل الفهم القرآني العميق لفلسفة السلم، باعتبار أن مفهوم الحق لا تكتمل دلالته إلا بصون حق الآخر الذي هو من الأسس الصلبة لثقافة السلم، لأن هدر الحقوق والمظلمات غالباً ما يكون من نتائج الحرب، وفي أحيان أخرى من أسبابها.

وتحدث مؤسس جامعة الزيتونة في الولايات المتحدة الداعية حمزة يوسف هانسن، ولاحظ أن الإسلام تاريخياً كان دين سلم وسلام ومحبة ورحمة، وقدم عرضاً موسعاً لغزوات الرسول الكريم، وبلغت 29 غزوة، 11 منها دارت فيها مواجهة، والبقية انتهت من دون حرب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص على السلم، ولهذا سقط في كل هذه الغزوات على مدى 23 سنة 1400 شخص، وهذه الحصيلة تسقط في حرب صغيرة من حروب الزمن الراهن.

واستعرض الحروب في تاريخ البشرية، فوجد أن الحروب الكنسية حصدت ما يزيد على 136 مليون ضحية، في حين أن جميع حروب المسلمين على مدى 1400 عام، لم تصل إلى نسبة واحد إلى ثمانية من حروب الآخرين.

أهداف السلم

كما تحدث في الجلسة وزير التعليم الجزائري الأسبق مصطفى الشريف، فقدم مداخلة عن أهداف ورشة السلم في الإسلام بعيون غربية، فلاحظ أن الإسلام بات متهماً بالعنف والتطرف، ويجري تحميل عموم المسلمين جنايات أفراد معدودين منهم، وأصبح التصور الذهني لدى الغربيين عن الإسلام لا ينفصل عن الدم والقتل، واستقرت في نفوس كثيرين منهم هذه الصورة المأساوية التي لا تمثل الصورة الحقيقية للإسلام.

الإرهاب يقوى بضعف الأمة

تحدث وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأردن د. هايل داوود، عن قضية التكفير، وقال إن الإرهاب يقوى بضعف وتخلف الأمة الإسلامية، وأن الظاهرة بدأت في منتصف القرن الماضي بداية من الحكام حتى استباحوا دماء المسلمين ومخالفيهم باسم الدين.

وأشار إلى أن الأمة عانت من تلك الإشكالية منذ نشأتها بداية من فتنة الخوارج، وقتل المسلمين بيد بعضهم وانتهاء بما يحدث الآن من قتل وترويع، مطالباً بوضع حد لمسألة التكفير لبعضنا البعض، محذراً من آفة التكفير، وأن النبي حذر من أدعياء الفتنة الذين يخرجون في آخر الزمان. وأكد أن الإسلام نهى عن تكفير أبناء الإسلام، وقتل المسلمين بغير حق، ونهى عن قتل كل من ينطق بالشهادتين بما فيهم المنافقون.