يدفع المشهد الساخن في سوريا مؤشّرات ميدانية ربما تحدّد معالم الخارطة السياسية والجغرافية المراد ترسيخها على المدى البعيد، لعل من بين المؤشراتما تحدث عنه النشطاء ومواقع التواصل الاجتماعي من أنباء تفيد انطلاق ثلاثة صواريخ من القاعدة البحرية الروسية في طرطوس إلى الداخل السوري لم يتضح مكان سقوطها حتى الآن، في محاولة وصفت بأنّها تسعى لتخفيف الضغط على النظام، ريثما يعاد ترتيب انتشار قواته.
وفيما لو صحت الأنباء كما تقول مصادر المعارضة، فإنّ القوى البحرية الروسية المتمركزة في الساحل تكون قد انجرفت إلى الصراع العسكري بشكل مباشر، بخلاف ما شدّد عليه مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة منذ أيام على أهمية الحلول السلمية، محذّراً من اللجوء إلى الحل العسكري بسبب تبعات كارثية متوقعة، وعلى ضوء ذلك أخذ هذا الحدث في الوهلة الأولى تفسيرين الأول: إمكانية تصعيد النزاع الإقليمي والدولي بغرض تعزيز من مواقع الحلفاء في الداخل ما قد يخلّف تداعيات خطيرة، والثاني: شعور موسكو بتهاوي نفوذ النظام في المناطق الحيوية ما يتطلّب أن تسعفه عسكرياً.
تفكّك قبضة
ولعل هذه التطوّرات تصاعدت عقب اهتزاز سلطة النظام، وهو ما يضع احتمالات حول صلابة نظام الأسد الذي يبدو الآن في مأزق أكثر من أي وقت مضى مضافاً إليه موجة التصفيات التي تعصف قيادات الهيكل العسكري، ما يعطي مؤشّراً بتفكّك قبضة النظام.
تحصين قدرات
غير أنّ المؤشّر الأبرز الذي لفت الانتباه، تمثّل في بروز أصوات تطالب النظام بضرورة تحصين قدراته في الساحل تحسباً لأي توغّل محتمل من قبل تشكيلات المعارضة صوب اللاذقية وطرطوس، الأمر الذي لمّح إليه المحلّل الإيراني أمير موسوي إلى احتمالية اتخاذ قرار عاجل بنقل العاصمة من دمشق «مؤقتاً» إلى اللاذقية وطرطوس، ليحمل معه هذا التصريح مصحوباً بتطوّرات الميدان بوادر سيناريو تقسيم رغم الرفض النظري من قبل المعارضة والنظام معاً.
ولعل سلوك النظام يوحي بنظر المعارضة بتبني فرضية التقسيم وإنشاء الكيان الطائفي على الساحل كملاذٍ أخير بدعم إيراني، وعلى ما يبدو ينطوي هذا المؤشّر على أهمية الرهان الذي سيدور على تقاسم النفوذ في دمشق، في ظل معلومات مسرّبة على خلفية زيارة قائد جيش الإسلام زهران علوش إلى تركيا، تفيد بإمكانية حشد القوى العسكرية المعارضة في ريف دمشق بغرض تطويق النظام في دمشق.
واستناداً إلى هذه المعطيات، انقسم محلّلون حول الرسالة المقصودة من التطوّرات، فمنهم من اعتبر أنّه «لن يسمح للمعارضة أن تتجاوز بانتصاراتها الحد المرسوم والمعد لتحقيق هدف محدّد وهو توجيه رسالة شديدة اللهجة للنظام تجبره على القبول بحل سياسي، ما يعني صعوبة مهمة الوصول إلى اللاذقية ودمشق نظراً لثقلهما الاستراتيجي، كما أنّ السيطرة عليهما تفضي إلى سقوط النظام وهو أمر غير مرغوب فيه دولياً، في حين يرفض مناصرو المعارضة هذه الرؤية ويعتبرون أن هدف المعارضة القادم هو الضغط على القرى الساحلية، كي يشكّلوا ضغطاً سياسياً واجتماعياً ونفسياً على النظام ويدفعوه إلى تسليم السلطة في «جنيف 3».