أحيت زيارة كاتب الدولة الفرنسي المكلف بقدامى المحاربين والذاكرة جان مارك طوديشني جراحا عمرها 130 سنة حيث إن هدف الجولة المشاركة في إحياء ذكرى مجزرة سطيف التي وقعت عام ألف وتسعمئة وخمسة وأربعين والتي سقط ضحيتها آلاف الجزائريين بعد عمليات قمع قامت بها السلطات الفرنسية، ما يعيد من جديد مطلب الاعتذار الذي ترفضه فرنسا جملة وتفصيلا.
وسيكون على باريس الحسم عاجلا في القضية التاريخية التي تعتبر ملفاً خاصاً قائماً بحد ذاته، وعشية ذكرى مجازر سطيف، قالمة، خراطة، فإن ذاكرة الجزائريين عادت إلى سرد فاجعة الموت والمعاناة التي تكبدا الشعب الجزائري على مدار أزيد من قرن، كل هذا وفرنسا لاتزال تصر على تجاهل القضايا التاريخية على الأقل أمام الرأي العام.
العلاقة بين الجزائر وفرنسا شديدة التعقيد وهي مثقلة بإرث تاريخي لا يمكن تجاوزه بمجرد زيارة لرئيس فرنسي، ومن هنا فإن الحديث عن خطاب جديد لا يتلاءم مع مطالب المرحلة الحالية..
فقد سبق لرؤساء فرنسيين سابقين أن زاروا الجزائر، بل إن الرئيس الأسبق جاك شيراك خص باستقبال تاريخي لم يحظ به في أي دولة في العالم طيلة حياته السياسية، ومع ذلك لم يغير هذا في أمر العلاقات بين البلدين شيئا، وجاء نيكولا ساركوزي بعده وتحدث عن الاستعمار بعبارات لم يسبقه إليها أحد، ولم تبرح العلاقات مكانها. ثم زار فرانسو هولاند الجزائر ليعترف بالجرائم دون الاعتذار عنها.
إزالة الأحقاد
تحقيق فرنسا لهذا المطلب الشرعي بل الطبيعي للشعب الجزائري وللشعوب المغاربية الشقيقة، من شأنه أن يزيل الأدران والأحقاد والضغائن وجميع المخلفات السلبية، مخلفات الحقبة الاستعمارية، ويمحو تلك الفترات التاريخية السوداء والمشينة فيحل محلها الوئام والاطمئنان مما يدعم الحاضر ويعزز مكاسب المستقبل.
مما لا شك فيه أن الشعب الجزائري كغيره من الشعوب التي تعرضت للاستعمار والاحتلال، من حقه أن يطالب بحقه في التعويض عن مآس عاشها أجداده وآباؤه والبعض ممن لا يزالون يعايشون هذه الاجيال. فمن الناحية القانونية المطالبة بالتعويضات حق مشروع تضمنه القوانين الدولية، مثلما طالب الغرب بحقه في التعويض من ألمانيا النازية ونال هذا الحق. على غرار ليبيا التي حققت في السنوات الأخيرة للزعيم الراحل المعمر القذافي الاعتذار المطلوب من إيطاليا.
انتهاكات
إن الدارسين للمرحلة التي هيمن فيها الاستعمار الفرنسي على الجزائر، يلاحظون أن هذا النمط الاستعماري كان منذ انتصابه سنة 1830 بالجزائر إلى رحيله سنة 1962 بعد كفاح مرير ومقاومة شرسة ومتعددة الأساليب.. كان يهدف إلى السيطرة على الأرض والبشر والشجر إلى احتلال الأرض والإقامة فيها وإلى امتلاك مواردها وثرواتها الزراعية والطبيعية وإلى تغيير هوية الإنسان وطمس هويته.
وعليه كان الأجدر على المؤسسات البحثية الجزائرية الاهتمام بهذه القضية وإعداد الدراسات الموثقة والمدعمة بالإحصائيات الدقيقة والمستمدة من مخزون الأرشيفات المحلية والفرنسية، التي تكشف بالأدلة والقرائن على الأضرار البالغة المسجلة في عديد المجالات الفلاحية والاقتصادية وخصوصا التربوية حتى تكتسي مطالب الجزائريين شرعيتها لدى المنظمات الحقوقية الدولية.
حيث لا يمكن إطلاقا لأي مؤرخ مهما كانت قناعاته وثوابته الإيديولوجية أن يتغافل عن المآسي التي حلت بالشعب الجزائري طوال الاحتلال الفرنسي وإن تبييض هذا الماضي هو نكسة خطيرة جدا لكل المبادئ الإنسانية وأن عدم اعتذار فرنسا هو أمر لا يمكن قبوله مطلقا.
