إن كانت تداعيات الحرب الجارية في عموم المنطقة دفعت قضية التهجير القسري إلى السطح بشكل لافت، إلا أن الفاتورة التي دفعها ولا يزال يدفعها السوريون باتت جسيمة وباهظة الثمن..

حيث فاقت أثارها كل التوقعات والتكهنات المعقولة، قياساً لتقديرات الأرقام الدولية الصادرة من المنظمات المختصة والتي تفيد بأن أكبر عملية تهجير بعد الحرب العالمية الثانية تجري الآن في سوريا، حيث أصبح السوريون، اليوم، أكبر مجموعة مهجرة في العالم، ويشكلون اليوم نحو 23 في المئة من مجموع المهجرين في العالم.

إن الثمار المباشرة لتطور الصراع في سوريا، لم تعد فقط مزيداً من عمليات القتل والتدمير والتهجير، بل صار في نتائجها مزيد من اللاجئين في بلدان الجوار وفي الأبعد منها، وهو أمر جعل العديد من الدول تفتح الباب أمام هجرة السوريين الهاربين من الموت وتداعيات الصراع..

والهجرة ذاتها لم تعد قائمة بصورتها العادية ومسيطر عليها، إنما تحولت إلى هجرة غير شرعية، الأمر الذي يشكل خرقاً لنظام الهجرة والأمن المعتمد وخاصة في البلدان الأوروبية، وفي ضوء زيادة حدة التطرف واليأس اللذين يشيعهما الصراع في سوريا، فان المخاوف الأمنية تتزايد في الغرب وأوروبا بشكل خاص في ظل زيادة أعداد المهاجرين الذين يشكل السوريون النسبة الساحقة.

ملايين النازحيين

وذكرت أخر احصائية للأمم المتحدة أن ثلاثة ملايين لاجئ سوري نزحوا إلى الخارج و6.5 ملايين نازح داخل سوريا، مشيراً بأن عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى الدول المجاورة بلغ ثلاثة ملايين لاجئ ، لكن هذا العدد كان مرشحا أن يزداد لولا أن تقطعت السبل بعدد كبير من الراغبين بمغادرة البلاد بسبب تصعيد الحرب الدائرة بين النظام والفصائل المعارضة، أو لصعوبة الوصول إلى معابر حدودية مفتوحة.

وذكرت مفوضية الأمم المتحدة أن هذا العدد القياسي يمثل زيادة بمقدار مليون لاجئ مقارنة بالعام 2014 بالإضافة إلى نزوح 6.5 ملايين داخل سوريا وهو ما يعني أن قرب نصف السوريين جميعا أجبروا الآن على ترك بيوتهم والنجاة بأرواحهم.

وقال مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين انطونيو جوتيريس في بيان له إن : الأزمة السورية أصبحت أكبر حالة طوارىء إنسانية في حقبتنا ومع ذلك فشل العالم في توفير احتياجات اللاجئين والدول التي تستضيفهم.

انتقادات متتالية

وتتالى انتقادات يومية ضد المجتمع الدولي حيال مسألة ايواء اللاجئين السوريين في الدول الجوار..

حيث لا تكاد المساعي الأممية تكفي إذا ما قيست بالحاجة الهائلة ضمن المخيمات النزوح، نظراً أن بعض أغنى دول العالم ما زالت تدير ظهرها لهذه الكارثة الإنسانية، بالنظر إلى تطورات الحرب الأهلية التي شردت ملايين المدنيين داخل سوريا وخارجها، وأن العبء الأكبر يقع على جيرانها تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر التي استوعبت جميعها نحو اربعة ملايين لاجئ.

وتشير المصادر الدولية أن الوضع ليس مكلفا ماليا فقط، بل مزعزعاً للاستقرار السياسي، وهذه المشكلة يمكن أن تزداد تعقيدا بما أنه ليس هناك نهاية منظورة للحرب.

قضايا جوهرية

لكن بعيداً عن الآثار الموضوعية لتداعيات هجرة السوريين إلى الخارج، فثمة قضايا جوهرية تواجه المهجرين، من أبرزها، انتشار ظاهرة الأمية والاقتلاع عن البيئة الاجتماعية مصحوباً بالمشاكل النفسية والصحية المروعة، كما أن انتشار ظاهرة التسول وزواج الفتيات القاصرات تتصدر مشاهد المأساة المرسومة داخل مخيمات اللجوء، وخارجها.

وعقب فقدان غالبية السوريين الأمل بقرب انتهاء الحرب في سوريا واشتداد حدة الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية داخل البلاد، تتصاعد وتيرة الهروب من جحيم الداخل واللجوء إلى مكان آمن في الخارج في رحلات غير مأمونة العواقب أو مضمونة النتائج. وخصوصاً جراء تقطع السبل بالسوريين بفعل الحرب التي يعانون منها منذ أربع سنوات..

حيث يقدم آلاف السوريين على رحلة الموت إلى الخارج عبر وسائل شتى، مخاطرين بحياتهم وأموالهم بأمل الوصول إلى بر الأمان في دولة ما في أوروبا، وذلك طلباً للجوء من حرب مستعرة، فيقول لسان الحال غالبية السوريين: «نحن داخل بلادنا كنا نموت على أيادي الأطراف المتناحرة، وعندما قررنا الهروب واجهنا الموت في البر والبحر».

قصص الموت

هناك العديد من قصص الموت الذي واجهها اللاجئون السوريون أثناء الانتقال من بؤس المخيمات وحياة العراء إلى أوروبا، وكان أخرها غرق السفينة في قلب البحر المتوسط قبالة الشواطئ الإيطالية التي راح ضحيتها حوالي 700 مهجر، لترسم هذه الحادثة المروعة مدى تدهور الأوضاع الإنسانية التي تواجه السوريين الذين هربوا من تحت الدلف لتحت المزراب.