تواجه مدينة عين العرب الواقعة شمال شرقي محافظة حلب، بعدما تحررت من تنظيم داعش، تحديات بالغة التعقيد من جهة صعوبات إعادة إعمار المدينة التي تحول حوالي 90 % من مساحتها إلى مناطق مدمرة.

ومنذ أيام قليلة، تفجرت حرب كلامية طاحنة بين مختلف مكونات المدينة إثر اقتراح تقدمت به «الإدارة الذاتية» التي تدير شؤون المدينة بتحويل أجزاء من المناطق المتضررة إلى متحف تذكاري، بحيث شملت ثلث مساحة شاسعة تفوق خمسين هكتاراً وفق التقديرات الأولية تتضمن المباني السكنية والعقارات التي تعود ملكيتها إلى الأهالي، ما خلق موجة سخط عارمة بين السكان، وسط تبادل الاتهامات بين الأطراف الإدارية والمجالس المدنية والشرائح الاجتماعية.

تصويت ومخالفة

وأعلنت «الإدارة الذاتية» في بيان بأن ممثلي الإدارة الذاتية في المقاطعة وممثلين عن مؤسسات حركة المجتمع الديمقراطي ورؤساء العشائر وأكثر من 500 من أهالي عين العرب وأصحاب المنازل التي وضعت في حرم المناطق التي حددت كمتحف، صوتوا على الأماكن التي سيتم الإبقاء عليها ليتم طرحها في المؤتمر الذي سيعقد في ديار بكر بتركيا في الثاني والثالث من مايو المقبل.

غير أن فعاليات المجتمع المدني في المدينة من جهتها أصدرت بياناً يخالف هذا الطرح، مؤكدة أن فعاليات المجتمع المدني في عين العرب تستغرب مثل هذه الأطروحات «التي تفتقر إلى أدنى رؤى قانونية وتاريخية وحتى سياسية تتسم بحكمة»، وترفض «مثل هذه المشاريع والقرارات التي لا تمثل إرادة الأهالي، بل وتخلق المزيد من النفور والكراهية كونها صادرة من جهة سياسية بعينها دون أخذ مشورة الأهالي المعنية».

الملكية الخاصة

وفي ضوء ذلك، دار جدل واسع بشأن أهمية صون الملكية الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المخيمات التركية التي لاتزال تحضن غالبية الفئات النازحة، وسط تأكيدات بضرورة عدم السماح للجهات الحزبية أن تفرض قرارات تصادر الحقوق الفردية والجماعية. ويقول الناشط الإعلامي مصطفى عبدي الذي وقف بالضد من هذا القرار قائلاً: «غالبية أصحاب العقارات لم يحضروا الاجتماع المزعوم ولم يشاركوا في التصويت، بل رفضوا ذلك جملة وتفصيلاً، عدا عن أن مثل هذا الموضوع لا يتم بهذه الأساليب المتخمة بالتمثيل، فالأمر بحاجة إلى توثيق ملكيات والاتفاق على التنازل والتعويض».

واستطرد: «كلنا مع فكرة تخصيص ركن أو ترك مكان لتخليد مقاومة كوباني، لكن المكان يجب أن يضم ملكيات عامة وليس كما اقترحت الإدارة الذي يشمل مساحته 30 في المئة من مساحة المدينة بثلاثة قطاعات منفصلة غالبيتها ملكيات خاصة متداخلة».

القدرة المالية

لكن المشكلة بنظر الإدارة الذاتية لا تكمن في قضية المتحف ورمزيته، على اعتبار أن التعويضات المطلوبة سوف تؤمن في الأمكنة الأخرى الملاصقة بالمدينة بحسب زعمهم، بل أن الأمر يرجع أساساً إلى عدم توفر القدرة المالية الكافية من أجل إزالة الدمار ومن ثم بناء الشبكة التحتية بدءاً من الصرف الصحي ومد شبكات المياه والكهرباء والتي تحتاج بحسب الأرقام الأولية إلى 6 مليارات دولار وهو مبلغ يفوق القدرات الذاتية، في وقت تنصلت المنظمات الدولية المعنية عن تقديم أي خدمات تذكر سوى الوعود الفضفاضة، عدا عن افتقار الخبرات المحلية لتكون قادرة لإعادة تنظيم المدينة وإعمارها.

أسباب

القوات الكردية لاتزال تخوض صراعاً عسكرياً مع تنظيم داعش على تخوم المناطق الريفية، ما يعني أن الوضع الأمني لم يستقر بعد، فضلاً على أن الحدود التركية تكاد تكون موصدة أمام المدينة التي تطالب الجهات المعنية بضرورة فتح ممر إنساني، وهو ما ترفضه الدولة التركية إلى هذه اللحظة، ليبدو مصير عين العرب بحجمها الصغير تختزل صورة قاتمة تنتظر سوريا التي تحولت غالبية مدنها الكبرى إلى الركام والتدمير الممنهج.