لا يقتصر تأثير المغامرة التي ينفذها الحوثيون والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح على الجانب الإنساني من حرمان ملايين من الطلاب من الذهاب إلى المدارس أو تشريد مئات الآلاف من مساكنهم، ولكنها تتعدى ذلك إلى ضرب النسيج الاجتماعي وإثارة النزعات المذهبية وزيادة مشاعر الكره للوحدة من سكان المحافظات الجنوبية التي حوّلها الحوثيون ساحة حرب واستهدفوا بنيتها التحتية والسكان.

وحتى ما قبل المغامرة التي نفذها الحوثيون وقوات الرئيس السابق باجتياح صنعاء وحصار الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، كان هناك أربعة ملايين طفل يتوجهون إلى المدارس صباح كل يوم، لكنهم لا يستطيعون فعل ذلك، كما أن الأزمة الغذائية التي كانت تهدد نصف سكان البلاد غيرت اليوم الوضع مع تشريد عشرات الآلاف من مساكنهم، ويحاصر عشرات الآلاف في مدينة عدن منذ ثلاثة أسابيع بدون مواد غذائية أو مياه أو كهرباء.

المغامرة التي اعتقد الحوثيون أنها ستمكنهم والرئيس السابق من حكم اليمن بسهولة وإسقاط الحكم الشرعي للبلاد، ألحقت كارثة إنسانية بملايين اليمنيين الذين يواجهون تحديات معيشية بسبب التدهور الاقتصادي والصراعات الداخلية، ولهذا سخروا كل مقدرات الدولة اليمنية لمصلحة مغامرتهم التي يدفع قطاع واسع من الشعب اليمني اليوم ثمنها.

كما انقطعت خدمة الكهرباء والمياه ونهبت مؤسسة الاتصالات، كما أن خدمة الهاتف والإنترنت ستتوقف أيضاً خلال أيام بسبب عدم وجود الوقود.

المدن اليمنية تحولت إلى أشباح بسبب المواجهات التي امتدت إلى معظمها، وتحولت إلى ساحات للقتال، والمدنيون هم ضحايا القصف المتواصل للحوثيين وقوات الرئيس السابق على عدن وتعز وشبوة والضالع، إلى جانب انعدام المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها بنسبة كبيرة جداً وغير مسبوقة، حيث ارتفع سعر عبوة 20 لتر بنزين من ثلاثة آلاف ريال إلى 15 ألفاً.

المدارس والجامعات أغلقت أبوابها بسبب الحرب، حيث التزم أكثر من أربعة ملايين طالب منازلهم، ولا يعلمون على وجه التحديد متى ستنتهي مأساتهم في ظل إصرار الحوثيين وصالح على الحرب واستهداف المدنيين، وتحويل المنشآت المدنية إلى مواقع عسكرية ومخازن للسلاح، كما حصل في عدة ملاعب رياضية أو منشآت تعليمية.

الزراعة تحتضر

ويمتد أثر المغامرة التي ينفذها الحوثيون بالتحالف مع الرئيس السابق إلى قطاع الزراعة الذي يعيش عليه نحو في 70 المئة من سكان اليمن، إذ إنه بسبب انعدام مادة الديزل وارتفاع أسعاره في السوق السوداء تأثر هذا القطاع بشكل كبير، بل أصبح الإنتاج الزراعي على قلته مهدداً بالتوقف التام.

وعلى الجانب السياسي، فإن الحروب التي يشنها الحوثيون على أبين والضالع والبيضاء وتعز ومارب وشبوة وإب والحديدة، عمّقت من الشرخ الطائفي والسلالي الذي كان متخفياً طوال عقود من التعايش بين فئات المجتمع اليمني، وهو أمر يثير مخاوف المتابعين من أن استمرار هذه الحروب قد يحوّل البلاد الذي تسكنها غالبية كاسحة من السنَّة إلى نموذج عراقي آخر.

والأخطر أيضاً في تأثير المغامرة الحوثية، وفق سياسيين يمنيين، هو زيادة كراهية الوحدة لدى سكان الجنوب الذين عانوا التهميش والإقصاء طوال عشرين عاماً من حكم الرئيس السابق، حيث إن محافظات الجنوب تتعرض لهجوم متواصل من المسلحين الحوثيين القادمين من الشمال، وتم استهداف السكان المدنيين في عدن وأبين والضالع وشبوة وحصارهم، مع أنه لا يوجد ما يبرر ذلك، لأن الرئيس هادي غادر البلاد ومعه أيضاً رئيس الحكومة والطاقم الوزاري.

تعميق الفجوة المناطقية

ومع بقاء محافظات وسط اليمن خارج قطار المقاومة للحوثيين قبل دخول تعز على خط المواجهة، فإن الجنوبيين يشعرون بالخذلان من تلك المحافظات التي أظهرت بشكل دائم تعاطفاً مع سكان الجنوب، كما أنها تشاركها الانتماء المذهبي والشكوى من سيطرة وهيمنة الشمال على مقدرات الدولة واحتكار الجيش والأمن.

وظهر الغضب الجنوبي من مواقف الوسط والشمال تجاه ما يفعله الحوثيون، من خلال تمييز المقاومة الشعبية هناك عن الشمال، بوصفها مقاومة جنوبية، وزاد من هذا الشعور انضمام أفراد قوات الجيش والأمن المنحدرين من الشمال والموجودين في الجنوب إلى قوات الحوثيين.