يعتزم المبعوث الأممي إلى سوريا ستفيان دي مستورا بعرض إجراء مشاورات جديدة في جنيف بشأن إمكانية تقييم فرص التوصل إلى أرضية سياسية مشتركة بين الفرقاء المحليين والإقليمين والدوليين، تمهد الطريق أمام «جنيف3» بعد أخذ الموافقة من مجلس الأمن، في الوقت الذي يصر فريق دي مستورا التشبث بروح مبادراته المعنية بتجميد القتال في حلب، كخطوة احتياطية، ربما تفسح له منافذ متباينة، على أن لا يصطدم بالخيار الفشل المتوقع.

عودة الحديث عن أولوية فك الاستعصاء السياسي قد ينظر إليه على ضوء الواقع العنفي المتشابك في سوريا ضرباً من الانفصام عن الواقع، أو ربما جهود تسويقية يراد المبعوث الدولي من خلالها التهرب من عدم الإفصاح عن فشل مهمته الموكلة إليه كما تقول غالبية القوى المعارضة السورية. لكن، قياساً بحجم تبدل خريطة التطورات الأخيرة الجارية ميدانياً..

وما يتقاطع معها جملة من التغيرات الإستراتيجية على المستوى الإقليمي والدولي، قد لا تبدو مهمة دي مستورا تنسج في خانة العبث السياسي المتكرر حيال المشهد السوري، وربما تستند خطواته الأخيرة من فحوى حالة الإرباك التي تعصف بالنظام السوري، وأهمية توظيف اللحظة المناسبة لصالح كسر الجمود السياسي.

تطورات الأرض

من الواضح على المستوى الميداني، أن التطورات الأخيرة على الجبهة الشمالية والجنوبية وما تشهدها حلب من تصاعد القتال بين المعارضة والنظام، أنتجت واقعاً عسكرياً جديداً على الأرض، خرج النظام وفق نتائجها المترتبة بخسارة كبيرة، في الوقت الذي كان أي النظام، يفرغ روح المبادرات السياسية واحداً تلو آخر منتشياً بسطوة العقلية العسكرية بناء على شهادة الخبراء والمحللين، غير أن انعطافات متشكلة ..

مؤخراً بدا تضع خيارات جديدة على طاولة دي مستورا، ومن المرجح أن تأخذ هذه الخيارات طريقها عبر شقين: الأول، تنشيط مبادرة تجميد القتال في حلب مستفيداً من آثار تحجيم نفوذ القوات النظامية في إدلب ودرعا، علاوة على تقدم المعارضة الملحوظ في جبهة حلب ذاتها. وربما تفهم دوافع تصعيد طيران النظام القصف على حلب بطريقة غير مسبوقة إلى إصرار دي مستورا على المضي في مبادرته، ما يشجع نظام بشار الأسد بوجوب تحقيق مكاسب ميدانية.

إحياء «جنيف1»

لكن، ثمة من وجد في الشق الثاني المتمثل في مساعي دي مستورا المحتملة في طرح مبادرة جديدة تتوافق مع بنود «جنيف1»، مقاربة إن خرجت إلى الضوء، ستكون أقرب إلى العقلانية الدبلوماسية، نظراً لتغير ميزان القوى الحربية..

وإدراك فريق دي مستورا بحصر مساحة المناورة أمام النظام. مصاحباً في الطرف الموازي شروع أقطاب المعارضة السورية بعقد سلسلة من اللقاءات في كل من السعودية والقاهرة، من أجل التوافق على توحيد ميثاق مشترك، ما قد تتسنى تقديم ورقة سياسة موحدة أمام فريق دي مستورا في مباحثات جنيف مع أطراف سورية، لتكون مقدمة من أجل إحياء بنود «جنيف 1».

واستناداَ على ذلك، سيحتاج توفير هذا المناخ إلى جملة من العوامل الخارجية المساعدة التي قد تدفع المسار نحو تحقيق هذا الهدف حسب وجهة نظر المراقبين، ويتجلى ذلك في المقام الأول، ما أفرزتها عملية عاصفة الحزم التي خلقت محور عربي وإقليمي ساهم إلى حد ما في تحجيم النفوذ الإيراني عبر ضرب جماعة الحوثي في اليمن، بحيث عكست ارتدادات ميدانية بطريقة غير مباشرة على الساحة السورية عبر تزايد الدعم العربي والدولي للمعارضة المسلحة في جبهة شمال البلاد وجنوبها..

ويضاف إلى ذلك، تبلور ملامح الخطاب الإقليمي والدولي حاسم ضد النظام وحلفائه، حتى أن مصادر إعلامية بدأت تتحدث بناء على تداعيات عاصفة الحزم، عن فرضية تسوية الحل السياسي يجمع الملف اليمني والسوري في سلة واحدة بناء على تداعيات عاصفة الحزم، بحيث تعوم جماعة الحوثي ضمن الحل السياسي المطروح خليجياً ودولياً شريطة أن يسري ذلك التصور على الملف السوري بتشكيل هيئة حكم انتقالي لتقود المرحلة المقبلة.

وبطبيعة الحال، سيتوقف هذا الأمر على المواقف الإيرانية والروسية اللتان قد تواكبان التطورات المستجدة حسب منطق مصالحهما الإستراتيجية، وهو أمر ربما أميط اللثام عنه من خلال مصادر إعلامية غربية سربت على لسان دبلوماسيين غربيين، تفيد بأن جهات رسمية إيرانية بدأت تدير محادثات مع الولايات المتحدة على هامش لقاء مفاوضات لوزان بشأن تسوية سياسية للأزمة السورية بما فيه بوادر تشير بإمكانية التخلي عن الأسد.

عبء

بدأت طهران تعتقد أن النظام السوري يشكل عبئاً عليها، وخصوصاً مع تغير الميزان القوى الحربية، متزامناً مع مؤشرات قادمة من موسكو تفيد بأن منتدى موسكو الأخير الذي جمع المعارضة مع النظام، أحرج النظام الروسي، بسبب رفض دمشق مطلب أرسله بوتين إلى الأسد، تقتضي بضرورة الإفراج عن المعتقلين كبادرة حسنة النية من أجل بدأ المشاورات في موسكو.