تفادت جبهة النصرة الرد على قرار الفصائل العسكرية المنضوية تحت لواء الجيش الحر في محافظة درعا برفض التعاون معها في غرفة العمليات العسكرية المشتركة، بعدما اشترطت عليها وجوب فك الارتباط مع «القاعدة»، وتبني الخيارات الوطنية التي تتماشى مع معايير الثورة السورية، وهي مطالب تبدو غير قابلة للتحقيق وحتى النظر فيها تبعاً لوجهة نظر مشرعي الجبهة وقيادتها الكلاسيكية.

ولن تنحصر تداعيات هذه القطيعة التي انفجرت بين الطرفين إبان تحرير معبر نصيب الحدودي، وإصرار الفصائل المعارضة بوجوب انسحاب جبهة النصرة من البوابة المطلة على الحدود الأردنية، في خانة التوترات العرضية .

كما يقول مراقبون، بل هي مقدمة لقرع طبول الحرب، وقد تتدرج نحو مرحلة صدام مباشر فيما لو اقترنت تفاصيلها بذلك الاحتدام العسكري الذي جرى مؤخراً بين حركة «حزم» المعتدلة والجبهة في أرياف إدلب والتي حسمت لصالح الأخيرة في نهاية المطاف.

نهاية «حزم»

فظلال استحضار هذه التجربة في درعا، كان يطغى على نبرة تعليقات مناصري «النصرة» على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، حيث تركز معظم ردود أفعالهم بتذكير الفصائل التابعة للجيش الحر بما آلت إليه نهاية قائد حركة الحزم جمال معروف والذي يعتبر وفق معاييرهم، أشد قوةً ونفوذاً من أولولة الجبهة الجنوبية.

وتجنباً للانجرار إلى الصدام المباشر، اتخذت كتائب الجيش الحر مقاربة تتضمن تلافي القتال ضد الجبهة، مقتصرة دائرة خلافاتها بفسخ غرف العمليات المشتركة مع «النصرة» إلى حين تصحيح مواقفها حسب ما جاءت في متن تصريحاتهم الإعلامية.

غير أن تركيبة الجبهة لا تسمح عادةً أن تنفرد الجماعات المعارضة التي تتقاسم معها جغرافية مشتركة بمقارعة النظام من دون التنسيق معها، وترفض في الوقت عينه، التمرد على دائرة نفوذها الميدانية بين الحواضن الاجتماعية، وهو أمر يرجح إمكانية نشوب مواجهات مرتقبة بين الطرفين بغرض الاستفراد بالساحة القتالية.

حجم القوة

وفي ضوء هذا السيناريو، بدا الخبراء العسكريون يقيسون حجم القوة العسكرية الموجودة لدى الطرفين، حيث تقول بعض المصادر المعارضة إن نفوذ النصرة لا تتجاوز 30 في المئة من القوات المنتشرة على الأرض في الجبهة الجنوبية، فيما تؤكد مصادر أخرى، بأن خارطة توزيع القوات العسكرية تكاد تكون مناصفة بينهما، مع فارق يصب لصالح المعارضة المعتدلة.

وهو أن جبهة النصرة كانت تحظى في معاركها السابقة مع حركة حزم في أرياف حلب وإدلب بالدعم والمؤازرة من الفصائل الإسلامية القريبة، بخلاف افتقارها إلى التحالفات القوية في الجبهة الجنوبية.

لكن، هذا لا يحد من قدراتها أن تستقدم التعزيزات المطلوبة من تشكيلاتها المنتشرة في الغوطة الشرقية وأرياف دمشق عموماً. كما تملك «النصرة» ورقة إضافية تسنح لها بإبرام تحالفات تكتيكية مع تنظيم داعش في الجبهة الجنوبية كما جرى في مخيم اليرموك، وسط أنباء تفيد بسعي «داعش» الاقتراب من درعا.

توغل تنظيم داعش داخل الجبهة الجنوبية قد تكون ضريبته باهظة، وهي سلاح ذو حدين لكلا الطرفين، فالكتائب المعارضة ترفض جذرياً أن يحجز تنظيم البغدادي موطئ قدم له في درعا نظراً لمساعيه الهادفة في ابتلاع جميع التشكيلات المعارضة..

ويعدونه وجه الميدالية الأخر من النظام السوري، علاوة على أن هذه الفصائل كانت تحصن ظهرها في الفترات السابقة من خلال تمركز جبهة النصرة كجدار صلب تعرقل مطامع «داعش» في اختراق جبهة درعا، وهو احتمال قد ينهار بمجرد فتح القتال مع النصرة.

وفي المقابل، تخشى النصرة أن تصطدم برفض «داعش» أي تقارب تكتيكي مشترك، كي تترك الطرفين أمام خيار حرب استنزاف مرير، لعلها توظف هذا التناحر لصالح توسيع نفوذها في المستقبل تماماً كما يراهن النظام على ذات الفرضية.