بعد أسبوعين ونصف من انطلاق «عاصفة الحزم» لدعم الشرعية في اليمن ضد الحوثيين الانقلابيين، لم تغادر واشنطن موقفها الرمادي إلا بدرجة بسيطة. ولا يبدو أنها في وارد الذهاب بعيداً. دعمها للعملية محسوب ليبقى عند الحدّ الأدنى، بحيث يكفي من جهة لمنع التقدم الحوثي من السيطرة الكلية على اليمن ومن جهة ثانية كي لا يثير اعتراضات إيرانية تؤثر على مفاوضات النووي. فالإدارة تتعامل مع كل أزمات المنطقة من منطلق التدبير وليس الحسم.
في كل مشكلة لإيران علاقة بها، يبدو التدبير وكأنه محكوم بحرص واشنطن على هذه المفاوضات بالدرجة الأولى. خاصة في مرحلتها النهائية الدقيقة وبما يؤمن حالة من التوازن الذي في أحسن حالاته يلجم الاندفاعة الإيرانية لكن من دون أن يؤدي إلى ردعها. وقد تجلّى هذا التوجه بأوضح صوره في اليمن منذ دخول الحوثيين إلى العاصمة صنعاء والانقلاب على الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي وحكومته.
موقف مُهادن
الموقف الأميركي لم يبارح وضعية المهادن ولو مع ضيق ضمني من الاقتحام الحوثي. نبرة خطابها بقيت خافتة. تمسّكت بالدعوة المكررة إلى الحوار والحل السياسي. في حين كانت واشنطن تدرك أن لحظة هذا الحل فاتت مع الاجتياح الحوثي. وما زالت تردد هذه الدعوة. وفي الآونة الأخيرة عادت إلى التذكير بشرعية هادي وأنها «تتطلع إلى لحظة عودته إلى صنعاء». يترافق ذلك مع التعبير عن انزعاجها من الدور الإيراني في اليمن والمنطقة. لكن التذمر توقف عند هذا الحدّ.
بعد «عاصفة الحزم»، تطور الموقف إلى توفير الدعم اللوجستي والاستخباراتي وتسريع الإمدادات للحملة. ربما لأنه كان لا خيار آخر للإدارة. وبكل حال هي اعتمدت هذا الموقف في سياق العمل «لتأمين قدر من الاستقرار» يقود إلى تسوية سياسية للأزمة اليمنية، من منطلق أنه لا حلّ عسكري لها. بذلك هي تحاول التوفيق بين دعم يساعد على تقليم أظافر الحوثيين، وبين الابتعاد عن خندق المواجهة المباشرة معهم. سياسة مسك العصا من طرفيها.
مزيد من التصعيد
لكن الأزمة سائرة نحو المزيد من التصعيد، حسب القراءة السائدة في واشنطن. التوقعات تتراوح بين حرب أهلية طاحنة وبين ترجيح احتمال دخول قوات برية إلى اليمن لفرض تعديل ميزان القوى على الأرض، فضلاً عن التحذير من تحوّل الأزمة إلى صراع إقليمي أوسع وأخطر. «اليمن بات مسرح حرب إقليمية بواسطة اليمنيين»، على ما يقول دبلوماسي مطلع على شؤون الساحة اليمنية. وثمة من رأى في تصويت البرلمان الباكستاني ضد المشاركة في الحملة، مؤشراً في هذا الاتجاه.
قراره هذا فاجأ المراقبين، حيث كان من المتوقع تجاوب إسلام أباد مع الدعوة للانضمام إلى التحالف، نظراً لتقاربها التاريخي الخاص مع السعودية.
خشية باكستانية
رفضها عزّز المخاوف من احتدام الأزمة على نطاق إقليمي، من زاوية أن باكستان ما كانت لترد مثل هذا الطلب لولا خشيتها من التداعيات الإقليمية، أو من «التورط المديد». وفي هذا السياق جرت الإشارة إلى القطع الحربية البحرية التي أرسلتها إيران إلى خليج عدن قبل أيام. كما أشير إلى زيارة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف إلى إسلام أباد التي ربما تكون قد ساهمت في حمل هذه الأخيرة على النأي بنفسها عن التدخل.
وقد استوقف المراقبين خطاب المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي الذي تحدث بلغة التهديد غير المسبوق بخصوص الحملة الجوية ضد الحوثيين. وكأن الأمور تتدحرج مثل كرة الثلج، باتجاه تعنيف المواجهات. ولا يبدو أن واشنطن في صدد الاستعداد إلى ما هو أكثر من عملية ضبط هذه الحرب المفتوحة على سائر الاحتمالات.
شهادات
نقلت تقارير إعلامية شهادات مئات السوريين الهاربين من ميليشيات الحوثي والرئيس المخلوع علي عبدالله صالح بعد أن أصبح استهدافهم عملاً ممنهجاً منظماً، بحسب الناجين.
ويقول محمد سلمان إن ميليشيات الحوثيين استهدفت الشقق السكنية التي تسكنها مجموعة من العائلات السورية الهاربة من جحيم بشار الأسد في عدد من المناطق.
رغم علمها أن من يقطن تلك الشقق المستهدفة هم من السوريين، إلا أنها تعمدت القصف الذي تسبب بقتل عائلة كاملة تنحدر من ريف دمشق».