أطلقت على محافظة الأنبار الواقعة في الجزء الغربي من العراق، والتي تحتل المرتبة الأولى من حيث المساحة بين المحافظات العراقية الـ 18 بنسبة 34 في المئة من مساحة البلاد الإجمالية، تسميات عدة تتسم بطبيعة المساحة والأنماط الاجتماعية لسكانها فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المتميز. وكلمة الأنبار عربية تعني «مخزن» أطلق عليها في زمن المناذرة، حيث تؤكد الروايات بأنها كانت مخزناً للأسلحة والأعتدة فضلاً عن خزن الحنطة والشعير وبعض المواد الزراعية آنذاك.

وتسمى الأنبار تاريخياً «لواء الدليم» نسبة إلى عشائر الدليم التي تقطنها منذ مئات السنين.

وتتمتع منطقة الدليم تاريخياً بالاستقلالية وكان زعيم الدليم هو حاكم لواء الدليم ويلقب بأمير وتتبعه كافة عشائره في أوقات السلم والحرب، الأمر الذي فرض شيئاً من المحافظة على طبيعة اجتماعية تجسدت بالطابع القبلي كسلطة قوية قد تفوق القانون في بعض الحالات وتضعها الجهات الحكومية بنظر الاعتبار منذ بداية تكوينها وحتى يومنا هذا. وتنتشر العشائر ابتداء من أبو غريب التي تلحق اجتماعياً وفكرياً بالأنبار لكنها إدارياً تتبع العاصمة بغداد ثم الفلوجة والرمادي مركز المحافظة وهيت وعنه وراوة وكبيسة والقائم وعكاشات والعبيدي.

إسلامية واجتماعية

ويصنف مجتمع الأنبار الذي يبلغ تعداده حوالي مليوني نسمة إلى مؤسستين دينية إسلامية واجتماعية عشائرية، حيث تحوي كبرى مدنها وهي الفلوجة على نحو 130 مسجداً، ولذلك أطلق عليها «مدينة المساجد والمآذن»، فيما تشتهر هذه المدينة التي تقع على الجزء الشرقي من ضفاف نهر الفرات بحركة تجارية وزراعية واسعة أكسبها هذا الامتياز موقعها الاستراتيجي الذي يربط بغداد بثلاث دول غرباً، وهي سوريا والأردن والسعودية.

القباب والكباب

ولعل ما يميز مدينة الفلوجة كثرة مطاعمها وأسواقها ومتاجرها حتى أن العراقيين يقطعون مسافات طويلة من أقصى جنوبه الى أقصى شرقه قاصدين مطاعمها حتى أطلقوا عليها مدينة «القباب والكباب» نسبة إلى المساجد والمطاعم. ولم تكن مناطق غرب العراق التي تقطن أعالي الفرات بعيدة عن تلك الميزات التي تجعل الأنبار عبارة عن نسيج اجتماعي متماسك ومترابط في علاقاته وأنماط حياته الاجتماعية والدينية.

وبرزت الأنبار التي يوصف مجتمعها بـ«العنيد» على صعيد المواجهة مع القوات الأميركية خاصة في مناطق الرمادي والفلوجة، حيث اندلعت معركة كبيرة أطلق عليها «معركة الفلوجة الأولى» العام 2004 ما بين الاحتلال الأميركي والعناصر المسلحة من أبنائها أثر قيام أشخاص من المدينة بقتل أربعة من عناصر الاستخبارات الأميركية وتعليقهم على جسر الفلوجة الحديدي. ولم تكن مدينة الرمادي غائبة عن مسرح المواجهات، حيث دارت فيها أيضاً مواجهات عنيفة مع الجنود الأميركيين.

تنظيم القاعدة

واستغل تنظيم القاعدة في 2006 و2007 المواجهات ضد الأميركيين في هذا التوقيت وتوغل بين الفصائل العراقية، التي كانت تتألف من أبناء المحافظة، ليكون القوة الكبرى ومنع أي فصيل من رفع أي راية سوى راية «القاعدة»، الأمر الذي تشكلت معه قوة كبيرة من الصحوات والعشائر وبعض الفصائل المسلحة لقتاله. وتم تشكيل تحالف ما بين قادة الصحوة الذين مولتهم واشنطن بزعامة عبد الستار أبو ريشة في أول مؤتمر عقد في منزل الأخير في 14 يوليو العام 2007 لينطلق الدعم الأميركي للصحوات من أجل القضاء على «القاعدة» بزعامة أبو مصعب الزرقاوي وقصم ظهره في مطلع 2008 بمقتل الأخير.

العنف والسلم

ويتكرر وصف المراقبين لمحافظة الأنبار بـ«بوابة العنف والسلم» في العراق. فإذا ما استقرت أوضاعها، تستقر أوضاع العراق برمته. ففي كل فترة تعود المحافظة على واجهة الأحداث لتتفجر فيها أحداث جديدة وكان آخرها ساحات الاعتصام مطلع 2013، والتي انطلقت في المحافظة وانتشرت في العديد من المحافظات العراقية الأخرى ذات الطابع السني لتتوج بتصعيد عنيف مع الحكومة العراقية في زمن رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، واستغلال ذلك من قبل تنظيم داعش ليسيطر على أجزاء كبيرة من الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين منذ مطلع 2014.

وسيطر «داعش» عشية اندلاع العمليات العسكرية مطلع 2014 على أغلب مناطق المحافظة وهي الفلوجة وأجزاء كبيرة من الرمادي والقائم وعكاشات والرطبة وحديثة والعبيدي وعنه وراوة وهيت، فيما بقت مناطق ناحية العامرية وحديثة والبغدادي عصية على التنظيم بالرغم من شنه مئات الهجمات، إلا أن عشائرها كانت له بالمرصاد ومنعته من اقتحام تلك المناطق وكبدته خسائر كبيرة بالأرواح والمعدات.

دور

لزعيم العشيرة دور اجتماعي بارز في حل النزاعات العشائرية انطلاقاً مما يمتلكه من حظوة بين الناس. وربما طغى الجانب العشائري على المسرح السياسي في الحياة العراقية في الوقت الحاضر. ولم يكن هناك زعيم عشيرة إلا وله تأثير على صانع القرار السياسي من ممثلي المحافظة وكذلك في الحكومة الاتحادية ببغداد.