في حين لا يزال لبنان من دون رئيس للجمهورية لليوم الـ320 على التوالي، عادت الحركة السياسية إلى طبيعتها أول من أمس، بعدما انتهت عطلة الفصح لدى الطوائف التي تتبع التقويم الغربي وأحد الشعانين لدى الطوائف التي تتبع التقويم الشرقي.
لكن هذه الحركة محكومة بجملة من الانتظارات، أقلّها انتظار انعكاس اتفاق الإطار الإيراني - الغربي على وضع المنطقة، ومنها لبنان المشغول بتطورات المحيط، ويملأ الوقت الضائع بمواعيد ولقاءات، إذ ودّع موفداً أميركياً ليستقبل أمس آخر إيرانياً. وبين ضيف وآخر، يتحوّل أيّ خبر حدثاً يشغل اللبنانيين.
وفي هذا الإطار، اندرجت الزيارة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط طوني بلينكن لبيروت، منذ الأحد الماضي واختتمها قبل يومين، وجولته الواسعة على المسؤولين اللبنانيين لوضعهم في صورة ما تمّ الاتفاق عليه في لوزان، ودعاهم الى عدم انتظار الخارج لانتخاب رئيس للجمهورية.
وكان بلينكن قارب الملف اللبناني بالكثير من التمنيات، ولكنه بدا حريصاً على عنوانين لا ثالث لهما: تثبيت معادلة الاستقرار اللبناني..
وقيام الدولة اللبنانية بواجباتها حيال النازحين السوريين على الأراضي اللبنانية. أما القاسم المشترك في مضمون اللقاءات التي أجراها الديبلوماسي الأميركي، فهو تأكيده أن الإدارة الأميركية ماضية في خيار توقيع تفاهم نووي نهائي في شهر يونيو المقبل، وأن مردود التفاهم سيكون إيجابياً على مستوى دول المنطقة.
وفي سياق حركة الموفدين، لإطلاع المسؤولين اللبنانيين على تفاصيل الاتفاق- الإطار مع إيران حول الملف النووي، وصل إلى بيروت المبعوث الخاص للرئيس الإيراني مرتضي سرمدي، في إطار الجولات الإقليمية التي يقوم بها عدد من المسؤولين الإيرانيين إلى بلدان مختلفة. علماً أن بيروت هي محطته الخامسة في جولة شملت سلطنة عمان والعراق وتونس والجزائر، وصولاً إلى موسكو الاثنين المقبل.
روحية ومفاعيل
وبالعودة الى زيارة الموفد الأميركي، أشارت مصادر مراقبة لـ«البيان» إلى أن بلينكن حمل إلى لبنان روحيّة ما يطرحه الرئيس الأميركي باراك أوباما، مع بدء ظهور مفاعيل الاتفاق النووي قبل ولادته الرسمية نهاية يونيو المقبل، لجهة كون أوباما ينطلق في استراتيجيته الجديدة من وجود مخاطر إرهابية تحتّم رصّ الصفوف والتفكير في مواجهة التطرّف، ما يعني تغيّراً في معادلة الشرق الأوسط، بانت خطوطه ولم تعرف حدوده بعد.
ذلك أن الموفد الأميركي الذي أجرى سلسلة من المحادثات مع القيادات اللبنانية حرص، وفق المعلومات التي توافرت لـ«البيان»، على تظهير صورة واحدة، فحواها أن المنطقة ولبنان يدخلان مرحلة جديدة انطلاقا من إنجاز الاتفاق الإطار بين إيران والمجتمع الدولي، وأن الاتفاق المذكور موضوع قيد التجربة من الآن وحتى يونيو المقبل.
مع الإشارة الى أنه لم يحمل معه أي مبادرة، وهو كان مستمعاً ومستعلماً أكثر مما كان متكلماً. ولم يدخل في الملف الرئاسي من باب تحديد مواصفات رئيس الجمهورية، بل من باب القلق من استمرار الشغور الرئاسي والتشديد على ضرورة إنجاز هذا الاستحقاق وانتخاب الرئيس العتيد. وعليه، فإن المرحلة ستكون انتقالية بامتياز. فلا قرارات كبرى في لبنان، ولا تغيّرات جذرية في المنطقة.
الانتظارات والرهانات
وفي غياب المفردة الرئاسية، محلياً وخارجياً، وفي خضمّ حجم التطورات الخارجية ومخاطرها الذي يطغى على كل تفصيل داخلي لبناني، يبدو كأن هناك «لبنانين» اثنين على ساحة الأحداث: لبنان الذي يكتفي بالانتظارات والرهانات، ولبنان المطالب بالفعل والعمل. والمأساة الكبرى في هذه الازدواجية، بحسب المصادر المراقبة نفسها، تكمن في أن الذين ينتظرون هم المسؤولون اللبنانيون..
فيما الذين يشجعون على عدم الإنتظار هم الديبلوماسيون الأجانب. وهكذا فعل الموفد الأميركي بلينكن، الذي حرّكت زيارته المياه الراكدة على ضفة السياسة المحلية، إذ أسدى إلى المسؤولين نصيحة، مفادها: «لا تنتظرونا ولا تنتظروا النووي ولا اليمني ولا أي خارجي. اتكلوا على أنفسكم، وإلا ستظلّون طويلاً أسرى حصار الأحداث من حولكم».