من يتابع رد الفعل التركي تجاه تصريحات وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش حول دعم تركيا للإرهابيين وتسهيل دخولهم إلى سوريا والعراق وخروجهم منهما، لا تعوزه الفطنة، ليشم فيه رائحة الانتقام من بلد منفتح يحتضن مجتمعاً متمدّناً رفض تسليم نفسه لحكم الإخوان وأبعدهم سريعاً بالوسائل الديمقراطية. ما يؤكّد هذه الكيدية في الموقف التركي تجاه تونس، أن ما قاله البكوش لم ينفرد به وحده، بل هو حقائق أصبح مسلّماً بها، ووردت على ألسنة وتقارير العديد من الدول بمن فيها دول تسعى تركيا لمجاورتها في الاتحاد الأوروبي، ولم تبد أنقرة ردة فعل دبلوماسيّة مثلما فعلت احتجاجاً على تصريحات البكوش المستندة لتقارير بلاده وغيرها، والتي تؤكّد دور تركيا في تسهيل دخول الإرهابيين التونسيين إلى سوريا والعراق، الأمر الذي يجعل من هؤلاء خطراً على الأمن التونسي حال عودتهم أو جزء منهم إلى تونس.
أنقرة التي أغضبتها الاتهامات التونسية، استدعت السفير التونسي وطلبت توضيحات بشأنها، وفي هذا محاولة تركيّة للتعمية على حقائق تؤكّدها الوقائع كل يوم، بأن تركيا هي الممر الرئيسي للإرهابيين وللنفط المسروق والآثار والمصانع المنهوبة من سوريا، وبخاصة من مدينة حلب. وبالتأكيد فإن التصريحات التونسية ورد الفعل التركي عليها قد لا تكون نهاية المطاف في هذا الملف الذي فتحته تونس المجروحة من إرهاب تشكّل تركيا ممراً سهلاً له. فهل سنشهد في المدى المنظور تبريداً في العلاقات التركية التونسية ينهي دفئاً غير مسبوق نشأ في عهد حكم الإخوان في تونس؟
شاهد تاريخي
العلاقات التّركية التّونسية ليست غضّة إنّما هي ضاربة الجذور في التاريخ، وربما تعود إلى لحظة إلحاق تونس بالدولة العثمانية عام 1574 على يد القائد سنان باشا، وظلّت حتى عام 1881 عندما استولى الفرنسيون على تونس. وطيلة الثلاثمئة سنة التي كانت فيها تونس «ولاية عثمانية»، كان للتّونسيين دور فاعل ومؤثّر في الحياة التركية علميّاً ودعوياً، كما كان لهم مساهمة مهمّة في المواجهة مع القوى الاستعماريّة.
أبناء تركيا وهم يتابعون احتجاج دولتهم على انتقادات الدبلوماسي التونسي الأول في قضية لها علاقة مباشرة بأمن تونس واستقرارها، سيلحظون على مقربة منهم شاهداً حيّاً على علاقات تاريخية أكبر من غضبة تركية على بلد لا يسيء، بل يرفض الإساءة، ولا يطلب المستحيل بقدر ما يسعى لكف الأذى. بإمكان كل تركي لم يعر انتباهاً في السابق، أن يعرف أنّ هناك في ولاية قَسْطَمُوني شمال وسط تركيا، قرية اسمها «التّوانسة»، أو «تونسيلار» كما تُنطق باللّغة التّركية. ويقيم في هذه القرية عشرات من أحفاد التونسيين الذين شاركوا في حرب القرم بين السّلطنة العثمانية وروسيا بين عامي 1853 و1856.
حرب القرم
تونس أرسلت من أبنائها في تلك الحرب نحو 20 ألف جندي بقيادة الجنرال رشيد، كما تداعى التونسيون لحملات من التبرّعات لدعم السلطة العثمانية في تلك الحرب التي رأوا فيها دفاعاً عن المسلمين وأراضيهم ودولتهم. واستشهد عدد من التونسيين في تلك الحرب، منهم قائد اسمه محمد التّونسي الذي دُفن في المكان الذي أصبح قرية التوانسة التي أقيمت على قطعة أرض منحها السلطان العثماني لعدد من التونسيين، فيما عاد الباقون إلى بلادهم. ولا يزال التونسيّون القاطنون في هذه القرية يُحافظون على العادات التّونسية في مأكلهم وملبسهم وأفراحهم وأتراحهم، كما أن هويّتهم العربيّة التّونسية لا تخفى على من يلتقي بهم.
منذ تلك الحقبة حافظت العلاقات التونسية التركية على مستواها الطبيعي، بل إنها قفزت إلى مستوى أعلى من التقارب بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وتسلّم حركة النهضة للسلطة في تونس، الأمر الذي وثق العلاقات بين البلدين في ظل انتماء كل من «النهضة» التونسية وحزب العدالة والتنمية التركي، لجماعة الإخوان. وفي ظل الانسجام والتنسيق العالي بين الجانبين، استضافت تونس مؤتمر «أصدقاء سوريا» وارتقت العلاقات إلى درجة أعلى اقتصادياً وتجارياً، ثم كانت تونس أول دولة عربية تقطع علاقاتها مع دمشق وتسحب سفيرها من هناك، وتطرد السفير السوري.
تبديل المقادير
وإذ لم يدم بقاء الإخوان في السلطة طويلاً، تبدّلت المقادير وتغيّرت المعادلات، وها هو ملف المقاتلين التونسيين المتسلّلين من تركيا إلى الأراضي السورية يفتح من جديد، ولا سيما بعد التصعيد الأخير الخطير والنوعي المتمثّل بالمجزرة الإرهابية في متحف باردو بالعاصمة التونسية، ما كشف عن ضرورة المعالجة الإقليمية لملف الإرهاب وخاصة القادم من سوريا والعراق، حيث بات من المسلّم به أن هؤلاء الإرهابيين يدخلون الأراضي السورية ويخرجون عبر الحدود التركية، خاصّة أن المواطنين التونسيين يسافرون إلى تركيا من دون تأشيرة، وحين فتح وزير الخارجية التونسي هذا الملف وسمى الأمور بمسمّياتها، غضبت تركيا واستدعت السفير لطلب «توضيحات».
لكن ليست تونس وحدها من يتهم تركيا بتسهيل تسلّل المقاتلين عبر حدودها، ولم تصدر الاتّهامات عن دمشق وبغداد وخصوم تركيا من الدول الإقليمية فحسب، إنما عن حلفاء لأنقرة في أوروبا والولايات المتحدة ومنظمات دولية تداولت تقارير عن إيواء تركيا ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من عناصر تنظيم داعش أو من هم على صلة بهذا التنظيم، فضلاً عن تسهيلات تركية لتسلّل منضوين في صفوف التنظيم إلى سوريا والعراق عبر حدودهما.
ترانزيت
وسبق للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن قالت إن الإرهابيين يتدفّقون من تركيا التي وصفتها بأنها تحوّلت إلى «ترانزيت» أو محطة عبور لهؤلاء نحو سوريا والعراق.
كما أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» لحقوق الإنسان، أصدرت اتهامات مشابهة ضد تركيا، وفي يناير من العام الماضي، أصدر مجلس الأمن الدولي تقريراً عن معونات أسلحة وذخائر وصلت إلى متشدّدين في سوريا عبر تركيا، بل إن بعض الاتهامات تحدثت أيضاً عن مراكز إيواء وتدريب لإرهابيين في مناطق تركية.
يعتقد مراقبون أن العلاقات التونسيّة التركية قد تشهد مزيداً من التصعيد إذا استمرّت الاتهامات التونسية لأنقرة، في حين أن هذا الفصل الساخن يجري في وقت أعلنت تونس أنها ستعيد فتح ممثلية قنصلية في دمشق، وترحّب بعودة السفير السوري إلى تونس، وهو إجراء لا يروق لأنقرة بالتأكيد، وقد تكشف الأسابيع المقبلة إن كان هذا التوتّر فصلاً جديداً أم سحابة صيف عابرة.
3000
إحصاءات وزارة الداخلية التونسية مطلع هذا العام، تتحدّث عن زهاء ثلاثة آلاف تونسي يقاتلون مع التنظيمات المتطرفة، كما أن أجهزة الأمن التونسية منعت في عام واحد ما يقارب 10 آلاف تونسي من السفر إلى الخارج للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية، في حين أن 500 شخص عادوا إلى الأراضي التونسية في الأشهر الماضية.
