لا تزال عيون السوريين ترصد ما ستؤول إليه الأوضاع الإدارية في إدلب عقب سقوطها بيد الفصائل المنضوية تحت نفوذ «جيش الفتح»، إذ تشي المؤشرات الأخيرة في اليومين الماضين بترجيح كفة لصالح هذه الفصائل بعدما كانت الجماعات السورية المعتدلة تمني النفس أن تحجز لها نفوذاً في تدبير شؤون المدينة.

وأراد زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني عبر كلمة صوتية أن ينهي هذا السجال الدائر، ليؤكد أن المدينة ستخضع إلى ما اعتبره «معايير الشريعة الإسلامية» بحيث تكون إدارتها موزعة بين الفصائل التي انضوت تحت جناح «جيش الفتح»، ما يعني عملياً أن الكيانات الإدارية التابعة للائتلاف الوطني ستجد نفسها خارج هيكلية الإدارة المزمعة تشكيلها، نظرا للتنافر الأيديولوجي الحاد بين الطرفين، معطوف عليه، فقدان الائتلاف السوري أجنحة عسكرية موالية لها على الأرض.

ضغوطات جارية

ووفق المراقبين، حمل خطاب الجولاني تغطية لما قد تسعى إليه الجبهة في المدى البعيد. وعلى ما يبدو «قدمت مقاربات النصرة وخطاب الجولاني بصيصا من الأمل لمجموعة من أهم الفصائل المدنية والحزبية والتيارات السياسية المعارضة والتي نشرت بيانا باركت من خلاله تحرير المدينة من النظام السوري»..

حيث ورد في البيان أنه :«من الممكن أن يفتح هذا الانتصار أبوابا واسعة على أمل السوريين، وألا يتحول الى درب جديد من الآلام والمعاناة ولكي لا تتكرر التجارب المريرة لبعض المناطق المحررة وخصوصا تجربة الرقة». لتتلقى هذه المناشدة سيلاً من انتقادات لاذعة نابعة من أصوات معارضة أخرى، متهمة إياها بالسعي ضمنياً في توفير غطاء سياسي لهذا التطور.

ومن الواضح في هذا السياق أن كلمة الجولاني التي حاولت بعث روح الطمأنينة في صفوف بعض الأطراف المحلية، اصطدمت فوراً بتصريح القيادي المعارض زهران علوش الذي أماط اللثام عن رفض النصرة أن ينخرط «جيش الإسلام» في معارك إدلب الأخيرة..

وكأن بزعيم الفصيل المسلح يكشف عن نوايا «النصرة» المضمرة في استفراد بحكم المدينة مع الفصائل التي تقدم الولاء والطاعة لها حصراً، حتى ذهبت بعض المصادر أبعد من ذلك، لتؤكد بوجود التوافق الضمني بين الجبهة و«داعش» في تشتيت صفوف القوات النظامية وتوزيع الأدوار..

فيما بينها، من أجل قطع الطريق أمام النظام في استهداف مدينة إدلب، حيث استشهدوا بواقعة دخول «داعش» المفاجئ إلى مخيم اليرموك في ريف دمشق الجنوبي إثر صفقة متبادلة بينهما، ما أربك مجدداً حسابات القوات النظامية، حيث تشكل تواجد «داعش» في خاصر العاصمة الجنوبية تهديدا وجوديا على نفوذ قوات النظام داخل معقلها الرئيسي.

ضغوط خارجية

وأشارت مصادر من داخل الأوساط المعارضة بوجود ضغوطات جارية على هذه الفصائل مطالبة إياها أن تتخذ سلوكاً أكثر مرونة في التعاطي مع إخراج النظام من إدلب وإدارتها، غير أن القلاقل سرعان ما تتبادر إلى الأذهان بسبب سلسلة من التجارب السابقة التي نكثت الفصائل المتشددة وعودها، لتظهر قناعها الحقيقي بوجوب تكريس النهج المتشدد على غرار ما جرى في أرياف إدلب أخيراً.

واستندت الكثير من الآراء المعارضة على مؤشرات عينية خرجت خلال الأيام الأخيرة لتعزز وجهة نظرها هذه، إذ إن تحطيم تمثال إبراهيم هنانو الذي يشكل رمزاً لتاريخ سوريا الحديث على يد الجماعات المتشددة أثار نقمة لدى رهط كبير من السوريين..

كما أن اعتقال راعي الكنسية الارثوذكسية في إدلب الخوري إبراهيم فرح وسط أنباء متضاربة تدعو المسيحيين أن يدفعوا الجزية أو مغادرة المدينة، استحضرت معها سيناريو مضي جبهة النصرة وحلفائها تأسيس ما تعتبره «إمارة إسلامية» في إدلب ولو بطريقة غير علنية، وهو مسعى لطالما كانت الجبهة تنتظر شرعنتها على الأرض ريثما تنضج الظروف العملية.

هجوم

شن «داعش» هجوماً مباغتاً ضد قرية المبعوجة في السلمية بريف حماه صب ما يفسر مدى التناغم غير المباشر بين «داعش» و«جبهة النصرة» على صيغة تقسيم النفوذ الميداني على الأراضي السورية