أصبحت دولة فلسطين رسمياً، أمس، عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ما يتيح لها ملاحقة مسؤولين إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب أو أخرى مرتبطة بالاحتلال، وسط تأكيد القيادة الفلسطينية على أنّها ستسعى لإقامة دعوى جرائم حرب، إن طال أمد تحقيق المحكمة المبدئي في أحداث وقعت خلال العدوان على غزة.. وأنّه لن يكون هناك تردد في تسليم أي فلسطينيين مشتبه فيهم للمحكمة.

وأعلنت المحكمة الجنائية، خلال حفل في جلسة مغلقة في مقر المحكمة في لاهاي حضره دبلوماسيون ومسؤولون من أكثر من 100 دولة، فلسطين عضواً رسمياً فيها في خطوة تشرع المساءلة القانونية لانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. وأصبحت فلسطين العضو رقم 123 بالمحكمة الجنائية الدولية والرابعة عربياً بعد الأردن وجيبوتي وتونس.

واعتباراً من، أمس، سيكون للمحكمة الولاية القضائية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتكبت داخل الأراضي الفلسطينية وعلى المواطنين الفلسطينيين. وذكرت المحكمة في بيان تداولته وسائل الإعلام الدولية، أن المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، فتحت في منتصف يناير الماضي دراسة أولية للحالة الفلسطينية.

ويأتي قرار المدعية العامة بعد انضمام حكومة فلسطين إلى نظام روما الأساسي في الثاني من يناير 2015 الذي أودعته بمقتضى المادة 12 من نظام روما الأساسي – المعاهدة المؤسسة للمحكمة – والذي قبلت بموجبه النظر في الجرائم التي تم ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومن ضمنها القدس الشرقية منذ 13 يونيو 2014.

يذكر أن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ولكن المسؤولين العسكريين والمدنيين الإسرائيليين قد يواجهون تهماً في حال إثبات ارتكابهم جرائم في الأراضي الفلسطينية.

يشار إلى أنّ الفلسطينيين، وبعد الانسداد الكامل للأفق السياسي الذي كان يفترض أن يتيح إقامة دولة فلسطينية مستقلة، اختاروا نقل المواجهة مع إسرائيل إلى الساحة الدولية. وقرر الفلسطينيون في أواخر العام 2014، تقديم طلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية التي تلاحق المشبوهين بارتكاب عمليات إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بعد رفض مجلس الأمن الدولي اعتماد مشروع قرار ينهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بحلول نهاية 2017.

واعتباراً من أول أبريل ستمتد صلاحيات المدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية لتغطي الجرائم التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية مستقبلاً أو يرتكبها مواطنون فلسطينيون. ويأتي دور المحكمة في نظر أخطر الجرائم بعد أن تعجز السلطات المحلية عن التعامل معها أو تعرض عن ذلك.

وتعارض إسرائيل عضوية الفلسطينيين في المحكمة ومارست ضغوطاً على حلفائها الغربيين لوقف تمويل المحكمة، لكنها لم تحرز نجاحاً. وعواقب هذه الخطوة غير معروفة، ليس فقط لأنه من غير المرجح مثول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وقادة إسرائيليين آخرين أمام المحكمة في لاهاي في أي وقت قريب، بل لأنه من غير المعروف إلى أين سيؤدي هذا التدهور الجديد المرتقب في العلاقات.

جزء من العدالة

وبهذه المناسبة التي يعتبرها الفلسطينيون إنجازاً، قال وزير الشؤون الخارجية الفلسطينية رياض المالكي، إن انضمام فلسطين إلى المحكمة سيوفر للشعب الفلسطيني جزءاً من العدالة «بعد سنوات من الظلم عاشها».

وبعدما أكّد أنّه لن يكون هناك تردد في تسليم أي فلسطينيين مشتبه فيهم للمحكمة، ركّز المالكي على أنّ الجانب الفلسطيني سيسعى إلى إقامة دعوى جرائم حرب، إن طال أمد تحقيق المحكمة المبدئي في أحداث وقعت خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.

وأوضح المالكي، أنّ الانضمام الفلسطيني إلى المحكمة يشكل رادعاً لإسرائيل من خلال مراقبة ما تقوم به في الأراضي الفلسطينية، مشدداً على أن الجانب الفلسطيني لن يكتفي بذلك وإنما سيطلب النظر في الجرائم السابقة أيضاً.

وأضاف المالكي في تصريح لتلفزيون فلسطين الرسمي: «يجب أن نمنح (المدعي العام) قرينة الشك، والوقت الكافي للقيام بذلك التحقيق المبدئي... إذا شعرنا بأنه لن يقود إلى أي تحقيق رسمي أو سيستغرق وقتاً أكثر من المتوقع فسوف نستخدم حقنا في تقديم طلب إحالة».

وشدّد على وجوب أن تركّز المحكمة الدولية «في تحقيقها الأولي على العدوان الأخير والاستيطان بما لديها من الصلاحيات والحق في فتح التحقيق»، مشيراً إلى مساعدتها في الملفين من خلال تقديم كل الأدلة المطلوبة.

تحوّل نوعي

ومن جانبه، قال كبير المفاوضين الفلسطينيين د. صائب عريقات، إن انضمام فلسطين إلى المحكمة تحول نوعي في استراتيجية النضال الفلسطيني نحو الشرعية الدولية لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وتأمين حمايته وتحقيق العدالة الإنسانية.

وشدد عريقات في بيان صحافي، على أن القيادة الفلسطينية لن تتراجع عن هذه الخطوة التي تأتي في إطار حملة دبلوماسية وقضائية أطلقتها عام 2014.

ترحيب فصائلي

وأمام هذه اللحظة التاريخية، رحب عدد من الفصائل الفلسطينية بالخطوة، معتبرة إياها «خطوة أولى من المجتمع الدولي لعزل الاحتلال الإسرائيلي وكشف جرائمه».

وقالت حركة حماس في بيان، إن انضمام فلسطين للمحكمة واعتبارها عضواً كاملاً فيها خطوة أولى لرفع الغطاء عن الاحتلال الإسرائيلي»، مطالبة السلطة الفلسطينية بتحمل مسؤوليتها الرسمية والعمل بجدية بالغة لملاحقة قادة الاحتلال.

ودعت متضرري وضحايا الجرائم الإسرائيلية من العائلات الفلسطينية والأفراد إلى التكتل والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية لرفع دعاوى ضد الاحتلال وقادته. ومن جهتها، اعتبرت الجبهة الشعبية انضمام فلسطين للمحكمة «إنجازاً عظيماً للشعب الفلسطيني وانتصاراً لضحاياه من جراء جرائم الاحتلال» التي ارتكبها منذ إنشاء كيانه على أرض فلسطين.

بدوره، قال حزب الشعب الفلسطيني، إن الانضمام للمحكمة يأتي في سياق استخدام فلسطين حقّها كدولة معترف بها في الأمم المتحدة بالانضمام إلى كل المنظمات الدولية. وأضاف أن عملية الانضمام تفتح الطريق لمحاصرة دولة الاحتلال لوضعها في مواجهة القانون الدولي الذي اعتبرت نفسها فوقه على الدوام، ما يقود إلى محاكمتها على جرائمها ومجازرها المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.

ورأى أمين عام المبادرة الوطنية مصطفى البرغوثي، أنّ الانضمام سيخلق لأول مرة أداة ردع ضد حكومة إسرائيل وسلطاتها التي دأبت على ارتكاب جرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني. وشدد البرغوثي على ضرورة الإسراع في إعداد وتقديم الملفات بشأن الاستيطان وجرائم الحرب في غزة للمحكمة الدولية.

خطوة أولى

في الأثناء، وصفت نائب رئيس المحكمة الجنائية الدولية القاضية كونيكو أوزاكي، انضمام دولة فلسطين إلى اتفاق روما الأساسي المؤسس إلى المحكمة بأنه «مجرد خطوة أولى».

وقالت أوزاكي في تصريح على هامش مراسم الترحيب بدولة فلسطين، إن «الانضمام للاتفاق مجرد خطوة أولى بالطبع»، وأنّه «مع دخول اتفاق روما حيز التنفيذ بالنسبة لدولة فلسطين، فإنها ستحصل على جميع الحقوق إلى جانب المسؤوليات المترتبة على كون الدولة طرفاً في الاتفاق وهذه التزامات كبيرة لا يمكن التعامل معها باستخفاف».

الجامعة العربية ترحب

قال الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالجامعة العربية السفير محمد صبيح، إن قبول فلسطين عضواً في المحكمة الجنائية الدولية هو حق أصيل، بعد الاعتراف بها من قبل 135 دولة في الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية بصفة مراقب. وأشار صبيح إلى أن الانضمام الفلسطيني إلى المحكمة الجنائية، يعد وسيلة للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وعلى هذه الدولة الفلسطينية، من خلال حل الدولتين الذي دعت إليه مبادرة السلام العربية.

تهنئة لبنانية

هنأ رئيس مجلس الوزراء اللبناني تمام سلام، الفلسطينيين، بانضمام دولة فلسطين إلى المحكمة الجنائية، وعدّها خطوة على طريق تحقيق الدولة المستقلة الناجزة.

وقال سلام: إنّ «المبادرة الشجاعة التي قامت بها القيادة الفلسطينية بالانضمام إلى معاهدة روما التي أنشأت محكمة الجنايات الدولية في لاهاي تعطي الفلسطينيين سلاحاً إضافياً في صراعهم المديد والمتعدد الأشكال مع الاحتلال الإسرائيلي وخطوة مشروعة نحو استعادة حقوقهم المشروعة».