تفجرت الأوضاع في الجزائر، وباتت خارج إطار سيطرة الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء عبد المالك سلال، بعدما توسعت رقعتها جغرافياً، كما تمددت لتشمل تقريباً جميع القطاعات الحيوية، فيما جددت السلطة هجومها على المعارضة على لسان الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم) عمار سعداني، بعد أيام فقط من انتقاد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لها في خطاب وجهه إلى شعبه بمناسبة الاحتفال بعيد النصر 19 مارس الجاري.

ويبدو كما هو واضح أن الاحتجاجات باتت تعصف بحكومة سلال وتهدد مستقبلها، بعدما توسعت التظاهرات، إذ أصبحت بشكل شبه يومي، وشملت عدداً كبيراً من الولايات الجزائرية..

كما لا يكاد قطاع واحد في الجزائر يخلو من الاحتجاج، فمن قطاع التربية والتعليم إلى قطاع الصحة إلى أعوان الأمن، مروراً بملف الغاز الصخري في الجنوب، انتهاءً بمشكلات الشباب من بطالة وقروض وإفلاس مشروعاتهم التي تعرف على الساحة الجزائرية بـ«مشروعات لونساج»، في إشارة إلى الوكالة الجزائرية لتشغيل الشباب.

الشارع يثور

في السياق، يرى الناشط مراد تشيكو أن الشارع الجزائري بدأ يثور، بعد أن عجزت حكومة سلال والسلطة في الالتفات إلى مطالب الشارع الذي يعبّر عن مطالب مشروعة لفئات اجتماعية ظلت محرومة من حقوقها سنوات طوالاً، على حد قوله..

مشيراً إلى أن سياسة «النقابات الموازية» التي تعتمد عليها السلطة لتمرير خطاب مفاده أن كل المشكلات قد حلت، باتت لعبة مكشوفة، خاصة بعد اتساع رقعة الاحتجاجات، حتى باتت الحكومة غير قادرة تماماً على لملمة الموضوع، كما لم تعد قادرة أيضاً على تمرير خطابها عبر نقاباتها التي شكلتها، على اعتبار أن أبسط حقوق المواطن الجزائري أصبحت مهضومة، على حد قوله.

وانتقد تشيكو ما وصفه بعدم احترام السلطة لقوانين يشرعها أصلاً الحزب الحاكم في البرلمان، مستدلاً بذلك القانون الذي ينص على إحالة كل من أكمل 60 عاماً إلى التقاعد، من أجل فتح فرصة العمل للشباب، وهو ما تحترمه السلطة، على حد تعبيره.

بدوره، أكد الناشط محاد قاسمي استمرارية الاحتجاجات في الجنوب، إلى أن يتم التوقف نهائياً عن استغلال الغاز الصخري.

ويرى قاسمي أن السلطة دخلت معترك تحدي الإرادة الشعبية في الجنوب، من خلال مواصلة التخطيط والتدبير لكيفية الاستفادة مادياً من المشروع الغازي، في تجاهل تام لمطالب الأهالي في منطقة عين صالح، وفي خطوة محفوفة بالمخاطر تراهن فيها السلطة على محاولة تجاوز الأزمة الاقتصادية، وتنويم الجزائريين دون إدراك الحنق الشعبي في الجنوب.

الأقراص المضغوطة

وفي قطاع التربية والتعليم، فجرت خطوة الوزيرة نورية بن غبريط التي عمدت فيها إلى اتخاذ إجراءات «رقمية»، وذلك بتوزيع أقراص مضغوطة تتوافر على كامل دروس البرنامج السنوي على تلاميذ الصف الثالث ثانوي (12)، إضافة إلى رقم سرّي خاص لكل تلميذ يسمح له بالدخول إلى موقع التعليم عن بعد الإلكتروني، لتستبدل الأستاذ..

وتكون الوزيرة بهذا الإجراء وضعت حداً نهائياً لإضراب الأساتذة، وهو الأمر الذي أثار حفيظة أولياء التلاميذ والأساتذة وحتى التلاميذ أنفسهم، وهو الأمر الذي فجّر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما خرج التلاميذ والأساتذة إلى الشوارع، رافعين أقراصاً مضغوطة «في سخرية من خطوة بن غبريط».

وفي قطاع الشاب، بالرغم من إقرار رئيس تنسيقية ضحايا «لونساج» عمار طرشة للخطوة التي أقدمت عليها الدولة في مساعدة الشباب بمنحها قروضاً لهم من دون فوائد..

فإنه أكد في المقابل أن معظم الشباب بات مفلساً، وأنه لم يعد قادراً على سداد الديون، بسبب ما اعتبره منافسة غير شريفة في السوق، ملقياً اللوم على السلطات التي لا تتولى مهمة الإشراف والمتابعة، موضحاً أن أكثر من 74 ألف شاب من المستفيدين من هذه القروض ملاحق قضائياً.

وناشد طرشة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التدخل لسمح ديون هؤلاء الشباب ودمجهم مرة أخرى في المجتمع.

تجار السياسة

في هذه الأجواء، فتح الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم) معمار سعداني، مجدداً النار على أحزاب المعارضة، وواصفاً قياداتها بـ«تجّار السياسة»، ومؤكداً أن رسالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمناسبة احتفالات عيد النصر التي توعد فيها المعارضة كانت واضحة لمن يريد اللعب بأمن واستقرار الجزائر، وأنها تحذير من محاولات «أولئك الذين يريدون إثارة الفوضى».

المعارضة تحذر

رفضت المعارضة الجزائرية التهديدات والتحذيرات التي أطلقها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة باتجاهها، محذرة من الخطر الذي يتربص من جراء السياسات الخاطئة التي تتبعها السلطة.

وقال رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري إن تصريحات بوتفليقة الأخيرة مقلقة للطبقة السياسية، وتهدد استقرار البلد بدل العمل على تقوية الوحدة الوطنية.