بات واضحاً اليوم محدودية خيارات الحكومة الجزائرية في التعامل مع احتجاجات الجنوب ضد استغلال الغاز الصخري، حيث إنها لاتزال مصرّة على تنفيذ قراراتها ومشاريعها بالقوة مهما كان الثمن، مع أن الثمن هذه المرة قد يكون غالياً جدا في ظل إصرار سكان الجنوب على التصعيد، ما قد يفتح المجال أمام مزيد من التوظيف السياسي، لاستغلال الوضع لتحريك منطقة الجنوب للانتفاضة ضد النظام.
هذا المشروع بدأ يتحول إلى فتنةٍ تهدد أمن البلد واستقراره ووحدته، والسلطة مطالبة بالتراجع عن مشروعها الخطير حفاظاً على وحدة البلاد.
أمام مخلفات تهاوي أسعار النفط إلى أدنى مستوياته، تجد الحكومة الجزائرية نفسها مجبرة على وضع بدائل لمواجهة الصدمة الحتمية لمرحلة ما بعد النفط، حيث تصر على استكمال المشروع الذي تبلغ قيمته نحو 70 مليار دولار، حيث حاولت في الاول تجاهل الاحتجاجات ببساطة مراهنة على استنفاد جهود المحتجين..
لكن إصرار السكان وتوسع التعبئات دفع الدولة لشن حملة مضادة بالتشكيك في وطنية الرافضين واعتبار مواقفهم تعاكس المصلحة الوطنية، وتتهم المحتجين بخدمة مصالح جهات أجنبية، فيما ينفي المتظاهرون ذلك ويؤكدون أنهم يطالبون بوقف عمليات الحفر واستخراج الغاز الصخري، لأنه مضر بالبيئة والمياه الجوفية في الصحراء.
حذر شديد
سكان الجنوب ليسوا ضد تنمية بلدهم التي حرموا منها وليسوا انغلاقيين أو متعصبين محليين ضيقي الأفق، بل إن منظورهم موجه بحس سليم مستند إلى حذر شديد إيجابي إزاء الغايات من وراء قرارالتنقيب، منطلقين من أن ثروة الجزائر مصدرها الجنوب، فهم لم يطالبوا بالمستحيل، بل طالبوا فقط بإيقاف مشروع الغاز الصخري الذي يهدد مخزونهم المائي بالتلوّث والاستنزاف..
لكن السلطة متعنتة في مواقفها في الوقت الذي تتوفر فيه البلاد على طاقات تقليدية هامة غير مستغلة، والخيار الوحيد الآمن لتفكيك بؤر الأزمات التي تفجّر هنا وهنالك في ولايات الجنوب، هو الحوار مع المواطنين، والتعامل معهم بنفس الإصرار والصبر الذي تعاملت به وزارة الخارجية مع فرقاء ماليين وليبيين، فلو تم استعمال هذه الحنكة في قضايا داخلية لتجنبت الجزائر سقوط ضحايا في احتجاجات خلال السنوات الماضية.
مياه جوفية
ويؤكد محللون أن التنقيب يتطلب على بئر واحد من الغاز الصخري كميات كبيرة من الماء تفوق تلك التي يتطلبها التنقيب في بئر تقليدي، هذا في وقت تفتقر المنطقة إلى ثروة مائية كافية وتلجأ إلى استخراج المياه الجوفية لتلبية الحاجيات المحلية..
وهو ما قد يؤدي الى جفاف في مناطق الجنوب، لكن السلطة تحاول دائما المناورة بالتأكيد أن الأمر لا يتعلق باستغلال الغاز الصخري بالمنطقة بل بتجارب استكشافية لمعرفة المعطيات الدقيقة عن خصائص واحتياطيات ودراسة الجدوى وفي حالة الحسم ببدء الاستغلال فسيخضع لمعايير دقيقة تراعي السلامة البيئية. ووفق هذه التطورات لم يعد هناك من خيار غير تجميد المشروع..
وتقديم ضمانات للمحتجين، وهذا هو السبيل الوحيد لفك هذه العقدة، قبل أن تتناسل المطالب، ويتضخم المشكل، ما يؤدي الى الانزلاق نحو مواجهة قد تكون كلفتها باهظة. علماً أن قضية غرداية لم تحل بعد إذا ما أضيفت المطالب الاجتماعية المشروعة لمواطني ولايات الجنوب، فإن الملف سيكون مرشحاً لتعقيدات لم تكن في الحسبان وقد يشعل المنطقة التي تحوي خزان النفط وهي بوابة دول الساحل.
التريث
تقاربت آراء بعض الخبراء حول قضية استغلال الغاز الصخري حيث أكدوا أن الجزائر ليست مهيأة حالياً لإنتاج واستغلال هذا النوع من الغاز، داعين إلى ضرورة التريث ودراسة كل الإمكانيات للشروع في استغلاله في الجزائر بالنظر إلى الاحتياطات الطاقوية المتوفرة حاليا غير أنهم لم يستبعدوا اللجوء إلى إنتاج هذه الطاقة الجديدة على المدى البعيد لأنه حسب تقديرهم ستعرف مصادر الطاقة التقليدية بعد سنة 2030 نقصاً في الإنتاج والاحتياط.
