مصير مجهول لفقراء اللاجئين في الأردن

أطفال لاجئون سوريون يغتسلون في مخيم الزعتري أرشيفية

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يكن أبو قاسم السوري، وقد بلغ السبعين من عمره يعرف أن الجحيم عينه سيعيشه في يوم من الأيام، في إحدى قرى درعا ولد، وفيها عاش، وظن أن على أرضها سيموت.

حتى في أشد كوابيسه رعباً لم يظن أن حالاً سيطيحه إلى أدنى مراتب الإنسانية مطروداً من وطن كان اسمه سوريا، وقرية كانت يوماً تسمى طفس، وأبناء عمومة راحت المساءات، التي سهرها معهم وانتهى الأعمام وأبناؤهم في بلاد التيه.

هذا حصل، لكن أبو قاسم صبر، وحصل أيضاً أنه كان ينظر إلى بناته الأربع وحفيده من ابنه الشهيد ذي الخمسة أعوام بولع، وهو يرى جوعهم من دون أن يشبعه، وعطشهم من دون أن يرويه، وبردهم من دون أن يدفئه، وخوفهم من دون أن يؤويه.

معاناة أبو قاسم

يقول أبو قاسم لـ«البيان»: «اتصل بي أحد الأردنيين وأبلغني أنه يملك منزلاً يستطيع أن يؤويه فيه، لكنه لا يستطيع أكثر من ذلك». يومها كان أبو قاسم يمسك على فرشته في مخيم الزعتري خوفاً من أن تسرق، وخيمته دون أن تطير في فراغ الصحراء، كما طارت أحلامه في موت يحنو عليه، كما مات أبوه وجده، هادئين على فراش دافئ.

«وافقت فوراً» يقول أبو قاسم وما إن انتهت إجراءات تكفيني وأسرتي حتى غادرنا إلى مدينة الزرقاء، حيث المنزل. هناك بدا أن كل شيء صار أسهل، قياساً مع حياة الزعتري، «لكن فجأة انفجرت قنبلة الأمم المتحدة في وجهي». يهز رأسه بحزن وهو يشير إلى أن البطاقات القليلة، التي كان يعتمد عليها لإطعام أطفاله ما عادت موجودة وستتقلص تدريجياً حتى تنهي.

«أين أذهب بعد ذلك وكيف أعمل وأنا في هذا العمر». تكاد الدموع تتفجر في عيني أبو قاسم. لم تكن الدماء المتدفقة في حينه، التي حولتها إلى حمراء بكاء، ولا حزناً، كانت أكثر من غضب، كانت سخطاً على كل ما آل إليه من حال.

أبو قاسم كان يشير إلى إعلان برنامج الأغذية العالمي خفض مساعداته للاجئين السوريين، بسبب نقص التمويل، في ظل تجاهل للمجتمع الدولي لمعاناة هؤلاء اللاجئين.

مصير مجهول

في الأردن اللاجئون ليسوا واحداً، لكنهم لجأوا إلى أرض تشكو هي الأخرى، وشعب يعوزه ما يعوز اللاجئ من أكل وطعام وشراب.

لا يستطيع أحد أن يجيب عن سؤال أبو قاسم «أين يذهب»، وسيكون عليه «التعب» في انتظار مصيره المجهول، أما أم سامر، فقد بدأ كابوسها الخاص ولم ينته، ولا يبدو أنه سينتهي. أم سامر امرأة خمسينية، مازال في وجهها مسحة من حياة، تسكن في منزل متواضع في إحدى الضواحي الفقيرة في العاصمة الأردنية عمان. هربت مع بناتها وطفليها الصغيرين، قبل نحو العام من حمص، بعد أن كانت قد تنقلت في الداخل السوري والأردن في رحلة معاناة قدر لها أن تستقر في منزل أقرب إلى أن يكون بيتاً.

حكاية أخرى

أم سامر تستعين في حياتها ببيع المخللات والمأكولات الشامية إلى جاراتها وبعض معارفها، لكن ذلك لا يكفي أسرة مكونة من سبعة أفراد، إذاً ما الحل؟

كان الحل في قسائم الطعام «الكوبونات»، التي تمنحها إياها مفوضية اللاجئين، فعاشت كما يعيش فقراء الأردن، بالحلوة والمرة كما تقول.

قالت أم سامر لـ«البيان»: «مش عارفة شو أعمل.. الله يلطف بالحال»، رفضت الاستفاضة في الحديث معنا، لكن وبعد أن أبلغناها بفقر الأمم المتحدة عن إطعامهم لم تجد ما تقول، ببساطة أدارت ظهرها وغادرتنا من دون أن تتحدث، لكن يدها التي رفعتها على رأسها وهي تغادر أفهمتنا كل الحكاية.

طباعة Email