00
إكسبو 2020 دبي اليوم

عندما تختار الفرنسيات طريق العنف

من فرنسا إلى سوريا تحت راية التطرف

ت + ت - الحجم الطبيعي

حياة بومدين، فرنسية شابة، سمراء وجميلة في الـ26 من عمرها، قبل 2009 كانت كغالبية بنات جيلها من الفرنسيات من أصل عربي تعيش على الطريقة الغربية: سهرات مع الأصدقاء، بحر ومايوه سباحة خلال الصيف، وعشق شبابي عابر بين الحين والآخر.. حياة بومدين اليوم الإرهابية المطلوبة رقم واحد لدى أجهزة الأمن الفرنسية غداة هجمات إرهابية ضربت فرنسا وكانت الأعنف منذ 50 عاماً.

مثل حياة بومدين عشرات أخريات بفرنسا، هجرن حياتهن العادية في المجتمع الفرنسي الغربي ليتوجهن إلى العراق وسوريا حيث تعيش المرأة المسلمة حسبهن تحت كنف الخلافة الإسلامية من دون قيود قوانين علمانية ولا أحكام جمهورية أو ضغوط اجتماعية ليصرن بعدها ذراعاً لتنظيمات إرهابية على رأسها «داعش».

فمنذ ظهور التنظيم الإرهابي في الساحة الدولية في 2014 وتزعمه إقامة «دولة إسلامية» لا يمر شهر واحد حتى تكشف وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية أن فتيات فرنسيات وأوروبيات، قاصرات وجامعيات، التحقن بالتنظيم الإرهابي في سوريا والعراق بعدما تمكنّ من اجتياز المنافذ التركية بفضل جوازات سفرهن الأوروبية التي تسمح لهن بالتنقل بكل حرية من دون تأشيرة سفر أو تصريح بالمرور.

المخابرات الفرنسية كانت تعرف جيداً ومنذ سنوات حياة بومدين المقربة من التيارات الجهادية منذ التقائها وزواجها بمنفذ هجوم المتجر اليهودي بالضاحية الباريسية في التاسع من يناير، لكنها أفلتت من قبضتها، لتظهر مجدداً بعد تنفيذ الهجمات، حالها حال الكثيرات من «نساء داعش» الفرنسيات اللواتي يعشن متخفيات في المجتمع الفرنسي إلى أن يقررن الانتقال إلى الضفة الأخرى وتنفيذ عمليات إرهابية على التراب الفرنسي أو الهجرة إلى أرض «الدولة» للجهاد هنالك.

المجتمع الفرنسي مصدوم

تعتبر المجتمعات الغربية، بما فيها المجتمع الفرنسي منذ القدم أن المرأة وخاصة المسلمة منها كانت دوماً ضحية المتطرفين والأصوليين، لتصطدم اليوم بواقع آخر حيث ترى بعض بناتها وفتياتها اللواتي ولدن تحت حضنها وكبرن في مدارسها وأحيائها متشبعات بهذا الفكر المتطرف وتسوقن له بنفس العنف والحدة.

ففي مقال نشرته جريدة «لوفيغارو» على موقعها الالكتروني في 20 يناير الماضي، كشفت فيه عن إحصائيات داخلية لأجهزة الاستخبارات الفرنسية بينت أن العدد الإجمالي للفرنسيين أو المقيمين في فرنسا المرتبطين بجماعات جهادية ارتفعت من 555 في يناير 2014 إلى 1281 في 16 يناير 2015، مسجلة ارتفاعاً بلغ 130 في المئة في ظرف عام واحد، ما يجعل من فرنسا أكبر «مصدر» للمتطوعين الأوروبيين للجهاد في سوريا والعراق في صفوف «داعش».

وبحسب هذه الإحصائيات السرية دائماً فإن أكثر من 393 من الفرنسيين أو المقيمين في فرنسا ذهبوا للجهاد في سوريا، 94 منهم هم نساء بعضهن قاصرات لم تتعد سنهن الـ18 بعد.

كما أن متوسط سن هؤلاء لم يتجاوز الـ 25 عاماً، وغالبيتهن توجهن إلى سوريا والعراق تحت لواء العمل الخيري والإنساني لتتحول يومياتهن إلى عبودية جنسية لعناصر «داعش»، ولا واحدة منهن تمكنت من العودة إلى فرنسا بعدها.

لماذا؟

الأستاذ الجامعي والخبير في شؤون الإسلام المتشدد ماثيو غيدار يعتبر أن الفرنسيات اللواتي توجهن إلى سوريا والعراق مثلهن مثل الرجال اخترن طريق الجهاد عن قناعة سياسية بعد تشبعهن بأفكار جهادية متطرفة بدليل المستوى الجامعي والثقافي لبعضهن.

إلا أن الكثير منهن ذهب لأسباب دينية وبدافع الهجرة بالمفهوم الإسلامي، ليضيف غيدار في تصريح لقناة إعلامية فرنسية بأن «بعض هؤلاء الفتيات شعرن بالتمييز في بلادهن فرنسا وبالرغبة في ممارسة دينهن بحرية مطلقة، دون أي شكل من التدابير المهينة».

أما الخبير في الحركات الجهادية جون كلود باروا فيرى أن عدداً كبيراً من الجهاديات الفرنسيات لم يتوجهن إلى سوريا كما هو شائع للزواج من الجهاديين وإنجاب الأطفال في ظل الخلافة وإنما هدفهن كان أكبر من ذلك وهو القيام بدور فعال على مستوى التنظيم قد يطال العمل اللوجستي، والتخطيط للعمليات، والقيام بالدعاية لاستقطاب متطوعين وجهاديين جدد.

كيف يتم التجنيد؟

عن طرق تجنيد هؤلاء الفتيات الفرنسيات يقول الخبير في مركز الوقاية من الانحرافات الدينية والآيديولوجية جمال مصراوي إن الأمر يتم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت «حيث تبدأ الفتاة الفرنسية في أول الأمر باكتشاف عالم الجهاديين ودورهم في نصرة المظلومين وهي في البيت خلف الكمبيوتر، لتجد نفسها شيئاً فشيئاً تمتص صوراً وخطابات مدروسة» تخبرها بعد ذلك بأن الله اختارها لتكون مع «المختارين» لـ «انقاذ العالم من نظرية المؤامرة».

ويضيف مصراوي بأن نقطة التحول في حياة هؤلاء الفتيات تظهر عن طريق القطيعة التي تقوم بها مع عائلاتهن، وزملائهن في الدراسة، وأصدقائهن وابتعادهن كذلك عن كل الهوايات والرياضات التي كن يمارسنها من قبل.

ويضيف: «غالباً ما تمر هؤلاء الفرنسيات بمراحل مضطربة من الناحية النفسية ويعشن في عزلة في حياتهن ونقص من الناحية العاطفية، وعانين من طفولة صعبة سواء في أسرهن أو وسط عائلات حاضنة، ليبرز ذلك النقص والحاجة على صفحاتهن على فيسبوك وبأنهن يردن القيام بعمل إنساني لمساعدة المحتاجين أو رغبتهن في أن يكن ممرضات يخففن من آلام الآخرين»، ولديهن قابلية كبيرة في الوقوع في غرام «فارس الأحلام» على الانترنت، و«مقتنعات بأن نهاية العالم ستبدأ من بلاد الشام».

القوانين الفرنسية

يستبعد جمال مصراوي أن تكون هناك صلة مباشرة بين القوانين الفرنسية التي تمنع ارتداء البرقع وذهاب الفرنسيات إلى سوريا، ولكن يؤكد بأن بعض الجهاديين و«دعاتهم يدعون المواطنين الفرنسيين المسلمين عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى هجرة فرنسا للعيش وممارسة ديانتهم وطقوسهم وتقوية أواصر الصلة والأخوة في ظل «الأمة» الموجودة في سوريا حيث هي الأرض الأفضل للعيش في الوقت الراهن.

دور ومكانة

يرى باحث في حركات الإسلام السياسي مصطفى زهران أن المرأة دائماً في التنظيمات الإسلامية لها خصيصة تميزها عن غيرها وهي عكس فكرة السعي من قبل تلك التنظيمات نحو استغلالها أو توظيفها في أمور تخالف أدبيات تلك التنظيمات، كما يشاع من فكرة جهاد النكاح أو إلزامهن بالمكوث في البيوت.

إذ إن المرأة لها دور كبير في الحالة الراديكالية الإسلامية أو ما تعارف عليه بالإسلام الجهادي ولا يمكننا الارتجال بعيداً عن الواقع القريب فما حدث من محرقة بشعة للطيار الأردني معاذ الكساسبة إنما جاء من أجل إطلاق سراح ساجدة الريشاوي بعد عقد كامل قضته تلك المرأة الملقبة بـالمرأة الحديدية خلف القضبان في سجن النساء في الجويدة بالمملكة الأردنية الهاشمية، والتي كانت تعد أحد أهم وأبرز الأسماء النسوية الجهادية خلال العشرة الأعوام الأخيرة.

وانطلاقاً من ذلك تلعب المرأة الداعشية دوراً كبيراً في مساندة دولة داعش، وأكبر دليل على ذلك هو زحف عناصر نسوية أوروبية نحو تلك الخلافة كما يعرفها رموزها الدواعش والتي تحدثت عنها الكثير من التقارير الاستخباراتية الغربية، فكما أن هناك رجالاً متشددين فطبيعة الحال أن يكون هناك نساء متشددات أيضاً ويتخذن من أسماء الصحابيات والجهاديات في التراث الإسلامي كنيات وينعتن بها أنفسهن كبديل لأسمائهن الحقيقية.

وعادة ما تلعب النساء الداعشيات دوراً كبيراً على الساحة الدعوية لشغل مساحة الفراغ الناشئة من إقبال الشباب الذكور من الرجال والفتية نحو القتال وما شابه من عمليات عسكرية لا تتطلب الوجود النسوي.

لذلك أسند لهن، حسب مصطفى زهران، مهمات قتالية أخرى من نوع آخر تتناسب مع طبيعتهن، مثل تطبيب الجرحى، وإدارة شبكات التواصل الاجتماعي والتواصل مع العالم من حولهن وخاصة النسوة بهدف التجييش والتعبئة للقتال، وتحديداً النسوة الأوروبيات.

تقلبات حياة مصبّها «داعش»

 

لعل التحوّلات التي عرفتها حياة بومدين تعتبر نموذجاً للانقلاب الذي يمكن أن تعيشه واحدة من نساء «داعش»، إذ أشارت التقارير بعد حادثة شارلي ايبدو يناير الماضي، أنّه وعقب وفاة والدتها في 1994 استمر والدها محمد بومدين في العمل موصل طلبيات واهتم برعاية بعض من أولاده، بينما غادر آخرون المنزل ووضع البقية تحت وصاية مصالح المساعدة الاجتماعية.

لقاء إرهابييْن

ووفق صحيفة «لوموند» بدأت حياة بومدين بارتداء النقاب في مايو 2009، بعدما أن التقت بأميدي كوليبالي وعاشت معه علاقة خارج إطار الزواج، ثم استقالت من عملها كأمينة صندوق في أحد المحال التجارية قبل أن يتزوجا في العام نفسه، ليقبض على كوليبالي ويحكم عليه بالسجن 4 سنوات لمحاولته تهريب إرهابيين من سجن لتنفيذهم في 2005 هجمات «مترو باريس».

وكشفت صحيفة «ذا إندبندينت» البريطانية أنه بينما كان كوليبالي في السجن كانت حياة تنتظره في شقة بباريس، مضيفة أن كوليبالي التقى بالإخوة كواشي في السجن خلال هذه الفترة وعند خروجه انتقل للعيش مع حياة في شقة واحدة، فيما كانت بومدين على اتصال دائم مع زوجة أحد الشقيقين كواشي، إلى درجة اتصلت بها هاتفياً 500 مرة العام الماضي.

تدرّب

وأوضحت الصحيفة أنّ «بومدين وكوليبالي قاما برفقة شريف كواشي وزوجته بزيارة الفرنسي من أصل جزائري جمال بيغال، عضو «القاعدة» وسط فرنسا 2010، وهناك في مقر إقامته الجبرية كانت تتدرّب حياة على الرماية.

وأكّدت بومدين التي تحمل اسماً حركياً وهو «أم بصير» المهاجرة في حديث لمجلة «دابق» الصادرة عن تنظيم «داعش» أنّ كوليبالي «أبوبصير الإفريقي» أجرى الترتيبات لسفرها إلى تركيا ومنها إلى سوريا قبل إقدامه على عملية الهجوم بأيام، وقالت في إجابة عن سؤال حول مشاعرها بعد الوصول سالمة أنّها تشعر بسعادة غامرة.

طباعة Email