يحاول النظام السوري وحلفاؤه أن يسابقوا الوقت قبل تطبيق أي اتفاق من شأنه تجميد القتال في حلب، بناء على مبادرة المبعوث الأممي دي ميستورا، وبرزت تلك الرغبة على السطح حين شنت قواته العسكرية هجوماً مباغتاً على ريف حلب الشمالي في الأسبوع المنصرم، مدعومة بالعناصر العراقية والإيرانية التي تسللت من الأراضي الزراعية في ريف حلب الشمالي، من جهة منطقة دوير الزيتون - شرقي بلدة رتيان إلى الجهة الجنوبية الشرقية لرتيان. وبعد أن أحكموا سيطرتهم لقليل من الوقت، سرعان ما تراجعوا تحت ضربات المعارضة المسلحة بعد خسائر باهظة لكلا الطرفين.
نبل والزهراء
من الواضح أن هدف النظام العسكري كان الوصول إلى بلدتي نبل والزهراء التي تحتضن الغالبية الشيعية، أما الهدف الأكبر كما أشارت مصادر المعارضة، فهو محاصرة حلب وبعدها القبول بمبادرة تجميد القتال، في الوقت الذي ترفض المعارضة المبادرة لأنها تسعى إلى إبقاء الأسد وإطالة أمد الحرب، وعليه، توحدت فصائل المعارضة ضمن «ائتلاف عسكري موحد» لدفع أكثر من خمسة آلاف مقاتل انتشروا في هذه الجبهة بوجه النظام، نظراً إلى أن هيمنة النظام وحلفائه على الريف الشمالي، تعني القضاء على وجود المعارضة في الشمال السوري وتطويق ثاني أكبر المدن السورية.
اتفاق أميركي تركي
غير أن ما أثار حفيظة النظام لشن هذا الهجوم، لم يكن فقط تحقيق تقدم عسكري ميداني، بل تمثل في الاتفاق الأميركي التركي لتدريب المعارضة المسلحة، والتي من المفترض أن تنتشر في المناطق القريبة من ريف حلب على أقل تقدير، ما دفع بنائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد، إلى أن يشير أن الاتفاق الأميركي التركي على تدريب وتسليح «المعارضة المعتدلة» يعني إفشال خطة المبعوث الدولي قبل أن تبدأ، وهو مؤشر إلى أن رغبة النظام باتت واضحة في استثمار الوقت لصالح تحقيق الانتصارات العسكرية، وقطع الطريق أمام أي معارضة عسكرية مدعومة من التحالف الدولي.
وكتب محللون أن المعارك العسكرية الجارية في ريف حلب مردها كيفية التحايل والتنصل من خطة دي ميستورا بالدرجة الأولى، ولعل أولها النظرة المتعارضة من جانب طرفي الصراع لها، حيث قرأ النظام منذ اليوم الأول خطة دي ميستورا كتكرار لما حصل في مدينة حمص، وحدّد لذلك محدداته في نقطتين، الأولى ما أسماه حفظ سيادة الدولة السورية على أية منطقة يتم تطبيق التجميد فيها، ومنع أي شكل من الإدارات الذاتية والمحلية فيها يمكن أن تتجاوز سلطة الدولة، والثانية تتعلّق بمكافحة الإرهاب من خلال إغلاق الحدود أمام الإرهابيين، ووقف الدعم، بما في ذلك عمليات التدريب التي ستتلقاها الكتائب المعتدلة في تركيا.
قراءة المعارضة
في حين تقرؤها المعارضة كتمهيد لتطبيق بيان جنيف، وإقامة هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات لإدارة المرحلة الانتقالية، التي لن يكون لرأس النظام دور فيها. وأضاف تصريح دي ميستورا حول دور رأس النظام، عقبة من الوزن الثقيل، فإذا تمسك بتصريحه خسر تعاون المعارضة، وإذا تراجع عنه اصطدم بموقف النظام وحلفائه.
وتجاوز آثار التصريح وحده لا يعني أن الطريق سالكة، ذلك أن النظام، وفق تصريحات بعض مسؤوليه، يسعى إلى دفع الطرف الآخر إلى الرفض، وتحميله مسؤولية فشل العملية عبر التمسك بتصوره، وإغراق العملية بمطالب تستند إلى اعتبار النظام يمثل الدولة والشرعية والسيادة، وهذا ما منحه له دي ميستورا، وتجاهل ما فعل النظام في البلاد.
وجاءت معركة الريف الشمالي الأخيرة، لتكشف نوايا النظام في تطويق حلب وبسط نفوذه في الريف الشمالي، لتغدو خطة دي ميستورا وكأنها تغرق في البحر مع اختفاء طاقم الإنقاذ.
معركة مفصلية
على الرغم من أن فصائل المعارضة المسلحة تتنازع يومياً فيما بينها بسبب تباين الأجندات والأطر الأيديولوجية في جبهة حلب وريفها، غير أنها في معركة الريف الشمالي والتي وصفت بأنها مفصلية، وحدت طاقاتها من أجل رد هجمات النظام، علاوة على أنها تنظر إلى خطة دي ميستورا بمنظار الريبة والشك، كونها تعتبر أي مشروع إن لم يأخذ بعين الاعتبار، الإطار الدولي المتّفق عليه، وخصوصاً بيان جنيف، ستشق جميع الخطط والمشاريع المطروحة طريقاً جديدة نحو المجهول.