في خطوة غير مسبوقة في الشمال السوري، وتحديداً في منطقة مدينة عين العرب، عبرت القوات التركية التي ضمت رتلاً عسكرياً كبيراً من دبابات وسيارات عسكرية المدينة لإجلاء الجنود الأتراك الذين يحرسون ضريح سليمان شاه على نهر الفرات بالقرب من جسر قره قوزاق على طريق حلب فجر أمس.

وذلك بعد أن أعلنت «غرفة عمليات بركان الفرات» و«حركة أسود الفرات»، بأن جسر قره قوزاق ومنطقة قره قوزاق ومفرق صرين والصوامع، الواقعتين على الطريق الواصل بين عين العرب (كوباني) ومدينة منبج شرقي حلب، منطقة عسكرية، حسب بيان لهما نشر الجمعة الماضي.

رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو كان يرصد الحدث عن قرب، وأعلن من خلال حسابه على «تويتر» أن عملية إجلاء الجنود الأتراك الذين يحرسون الضريح تكللت بالنجاح، فيما أشارت المصادر الكردية أن الرتل العسكري التركي دخل إلى عين العرب.

وذلك بعد الاتفاق السياسي الذي تم خلال زيارة وفد سياسي من عين العرب إلى تركيا، والذي ضمن مرافقة وحدات حماية الشعب لهم للوصول إلى جسر منطقة قره قوزاق من أجل حماية الجنود الذين يحرسون المقبرة وفق اتفاق دولي بين تركيا وسوريا، عقب المخاوف التي تحدثت عن احتمال أن يأسرهم «داعش» رهائن كإجراء عقابي من قبل التنظيم الإرهابي ضد تركيا لانضمامها للتحالف الدولي.

الخبراء من الجانب الكردي والتركي واكبوا هذا التطور اللافت، نظراً لأن الجانب التركي كان يشدد دوماً أمام الرأي العام في رفض التعاطي مع وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا التي تندرج هويتها الإيديولوجية والتنظيمية حسب زعمهم ضمن خانة حزب العمال الكردستاني، بيد أن الخطوة التي جرت كسرت عناد الدبلوماسية التركية، وحملت معها جملة من المصالح المتبادلة قد تمهد لفتح صفحة جديدة بين الطرفين.

تداعيات إيجابية

كانت الحكومة التركية تبرر هواجسها الإستراتيجية من صعود النفوذ الكردي في شمال سوريا، إلى التهديد الأمني الذي قد يصاحب تمركز القوات الكردية على الحدود التركية، غير أن هذا التعاون المشترك بين الطرفين من المرجح أن يترتب عليه تداعيات إيجابية قد تذيب الهواجس التركية بنظر المراقبين.

خاصة أن الجانب الكردي أبدى حرصه على لسان رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم في مناسبات عدة، على صون الحدود التركية ضد أي تهديدات محتملة من الجانب الكردي بخلاف تمركز «داعش» على حدودها ومعابرها في كل من تل أبيض وجرابلس، التي استشفّت الحكومة التركية أخيراً بوجود أعمال إرهابية قد يرتكبها «داعش» انطلاقاً من الأراضي التركية على المراكز الدبلوماسية الغربية في البلاد بسبب هروب أعداد كبيرة من جراء هزيمتهم في عين العرب إلى الداخل التركي. ا

لمكسب الثاني الذي حققه الأتراك عبر هذه العملية المباغتة، تمثل من تفادي أزمة سياسية كادت تعصف بحكومة رجب طيب أردوغان قبل موعد الانتخابات البرلمانية، فيما لو اعتقل الجنود رهائن بيد «داعش»، وكان من المحتمل أن يشكل هذا الاعتقال الجماعي، ورقة ابتزازية جديدة ضد الحكومة التركية أسوة بما جرى مع الطيار الأردني والأقباط المصريين الذين ذبحوا على يد «داعش» في نهاية المطاف.

إضافة إلى أن محافظة حكومة أردوغان على رمزية الضريح والجنود في آن معاً، قطعت الطريق أمام أزمة داخلية كان سيجري توظيفها لصالح الأحزاب المعارضة ضد أردوغان في حملة الانتخابات المقبلة.

خطوات مُنتظرة

يرى مراقبون أنّ هذا التعاون أفضى إلى جملة من المكاسب الحيوية لصالح الحكومة التركية في هذا الظرف الحساس، بينما ينتظر الجانب الكردي خطوات مماثلة من أنقرة، خاصة أن الوفد السياسي الذي قصد تركيا، كان في جعبته جملة من المطالب الملحة، أهمها ضرورة فتح ممر إنساني بغرض تمرير المساعدات اللوجستية والإنسانية إلى النازحين الأكراد داخل مدينة عين العرب، فضلاً عن أهمية انخراط الأتراك في عملية إعادة إعمار المدينة المدمرة.

وينتظر أيضاً أن ينسحب هذا التقارب على جميع المعابر التركية المتاخمة للمناطق الكردية التي تعاني من حصار خانق ما قد يخفف حدة المخاوف التركية من الصعود الكردي، وتالياً تمتين علاقات تشمل مجالات السياسية والأمنية والاقتصادية على المدى البعيد.