زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصر الأسبوع الماضي وصفت من معظم المراقبين والمحللين بأنها ناجحة بكل المقاييس، إذ إنها تصب في نهر الارتقاء بالعلاقات المصرية الروسية إلى مستوى التحالف.
هذه الزيارة هي الأولى منذ عشر سنوات، حيث سبق للرئيس الروسي أن زار القاهرة مرة واحدة في إبريل 2005. لكن هذا لا يعني أن الزيارة منقطعة الجذور، أو أن الفترة الزمنية التي تفصلها عن زيارة 2005 كانت مفرّغة من المعطيات الخاصة، سيما وأن انتفاضة 25 يناير 2011 فتحت الآفاق لتفاعلات سياسية جديدة عنوانها حقيقة السياسة الأميركية تجاه الدول والشعوب.
وإذا كان الشعار السياسي شبه غائب عن الشارع المصري خلال حراك 25 يناير، فإنه حضر بقوة خلال الأيام التي سبقت 30 يونيو والأيام التي تبعته، حيث نظّمت تظاهرات ضد السياسة الأميركية وطالب الشباب المصري الغاضب من هذه السياسة بطرد السفيرة الأميركية آنذاك آن باترسون.
كان لافتاً الانتشار الواضح لصور بوتين في الشارع المصري خلال ثورة 30 يونيو وبعدها، لدرجة أن الكثير من السياسيين تناول بإسهاب وتحليل مستقبل العلاقة بين مصر التي كانت في عهدي الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك ضمن المحور الأميركي من دون تحفّظ، وروسيا الاتحادية.
ورغم أن القيادة الجديدة المنبثقة عن ثورة 30 يونيو كرّرت القول إن العلاقة مع موسكو لن تكون على حساب العلاقة مع دول أخرى، إلا أنه بدا واضحاً منذ الوهلة الأولى بعد الثورة، أن صفحة جديدة ومتميّزة من العلاقات قد فتحت بين القاهرة وموسكو، على نحو أعاد للأذهان تلك العلاقة الذهبية التي كانت سائدة بينهما في حقبة الاتحاد السوفييتي.
مباحثات+2 2
لم تتأخّر بوادر عهد جديد بين مصر وروسيا، إذ ان وزيري الخارجية سيرغي لافروف والدفاع سيرغي شويغو زارا القاهرة على مدى يومي 13 و14 نوفمبر 2013، وكان العنوان الأبرز تعزيز التعاون مع روسيا في المجال العسكري. وعقد الاجتماع وفق صيغة 2 2 التي تتعامل بها موسكو عادة مع الدول الكبيرة والمهمّة.
وفي فبراير 2014 زار وزيرا الدفاع والخارجية المصريان موسكو استكمالاً لكتابة الصفحة الجديدة في العلاقات. وحسب رئيس المكتب القومي لدراسات الشرق الأوسط محمد مجاهد الزيات فإن تلك الزيارة جاءت كاستمرار لعملية بدأت بعد ثورة 30 يونيو..
حيث اتخذت روسيا موقفاً مؤيداً للتغيير السياسي في مصر في ظل الضغوط التي واجهتها مصر من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وأضاف أن سلاح الجو المصري لا يزال يعتمد على التقنية الروسية حتى هذه اللحظة، وان لدى روسيا أنظمة دفاع جوي هي الأكثر تطوراً في العالم، مثل اس.300 واس.400.
الزيات اعتبر أنه إذا توصل الجانبان المصري والروسي الى تفاهم بهذا الشأن، فذلك قد يعيد علاقات التعاون العسكري بين البلدين الى مستواها السابق ويفتح المجال لتعاون اقتصادي اوسع.
مباحثات سوتشي
بعد ٦٥ يوماً من انتخابه رئيساً قام عبدالفتاح السيسي بزيارة إلى منتجع سوتشي في روسيا في أغسطس 2014، حيث تم خلالها إبرام عدد من الاتفاقيات بين مصر وروسيا تهدف لدعم مصر في مجالات عدة اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً.
في تلك الزيارة جرت أطول مباحثات قمة بين رئيسين على مدى 12 ساعة، في غرفة صالون داخل القرية الأولمبية، ثم على طائرة هليكوبتر، ففي المقر الرئاسي بسوتشي، وعلى الفرقاطة موسكو، ثم على عشاء خاص في مطعم أسماك، حيث عقد الزعيمان لقاء منفرداً لم يحضره مترجم.
يومها استجاب بوتين لكل مطالب مصر، وراجع وزراءه المعنيين بمجالات التعاون المصري - الروسي وزيراً وزيراً خلال جلسة المباحثات الموسّعة بالمقر الرئاسي، ليطمئن إلى سير ما جرى الاتفاق عليه وفقاً للجداول الزمنية المرسومة. وسبق تلك المحطة أيضاً زيارة قام بها السيسي إلى موسكو قبل عام حين كان وزيراً للدفاع. كان ذلك اللقاء الأول ..
وتم فيه إحياء التعاون العسكري بين روسيا ومصر وبخاصة في مجال التسليح. يومها أهدى بوتين للسيسي جاكيت الماريشال ذا النجمة الحمراء، وقال له: «أعرف أنكم اتخذتم قراركم بالترشّح لرئاسة مصر، إنه قرار مسؤول أن تحملوا على عاتقكم مصير الشعب المصري».
ثمّة آمال وتوقّعات كبيرة تعلّق على عودة العلاقات القوية بين موسكو والقاهرة، إذ ان من شأن هذه العلاقة أن تنهي الانفراد الأميركي والغربي بالمنطقة، ومن خلالها تستطيع مصر أن تستعيد استقلال قرارها الوطني وموقعها القيادي على المستويين العربي والإفريقي، مثلما كانت عليه في عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، بما يترتب على هذه العلاقة من انعكاسات إيجابية على صعيد الكثير من الملفات الساخنة في المنطقة.
سنوات الذروة
العلاقات الروسية المصرية القنصلية تعود إلى 1784، أما العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفييتي ومصر فبدأت في 26 أغسطس 1943.
وتمت الخطوة الأولى للتعاون المصري الروسي في أغسطس عام 1948 حين وقعت أول اتفاقية حول مقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب من الاتحاد السوفييتي. وشهدت العلاقة تطورات متلاحقة كان أبرزها بعد ثورة يوليو عام 1952 حين قدم الاتحاد السوفييتي لمصر المساعدة في تحديث قواتها المسلحة.
وبلغت العلاقات ذروتها في الخمسينات – الستينات حين ساعد آلاف الخبراء السوفييت مصر في إنشاء المؤسسات الإنتاجية، وبينها السد العالي في أسوان ومصنع الحديد والصلب في حلوان ومجمع الألمنيوم بنجع حمادي ومد الخطوط الكهربائية أسوان – الإسكندرية.
وتم في مصر إنجاز 97 مشروعاً صناعياً بمساهمة الاتحاد السوفييتي. وزودت القوات المسلحة المصرية منذ الخمسينات بأسلحة سوفييتية. وتلقت العلم أجيال من أولئك الذين يشكلون حالياً النخبة السياسية والعلمية والثقافية في مصر.

