سيطر تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا على مدينة سرت بالكامل، عقب استعراض للقوة في شوارع المدينة التي خلت من المارة، وعلقت فيها الدارسة إلى أجل غير مسمى بعد استيلاء التنظيم عليها، إضافة إلى عدد من المؤسسات الإعلامية، ليصبح بذلك مسقط رأس العقيد الليبي الراحل معمر القذافي أول مدينة تسقط بالكامل في أيدي «داعش»، في وقت دخلت المواجهات العسكرية في ليبيا طوراً جديداً، بعد أن بادرت ميليشيات «فجر ليبيا» باستعمال الطيران الحربي في قصف مطار الزنتان.
وأكدت مصادر بمدينة سرت الليبية أن تنظيم داعش فرض سيطرته بالكامل على المدينة التي تبعد 500 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس.
وبثت مواقع للتنظيم على موقع «تويتر» صوراً لعشرات السيارات رباعية الدفع المسلحة على متنها ملثمون يرفعون الراية السوداء تتجول في شوارع المدينة.
وقال شهود عيان إن موكب السيارات المسلحة الذي قال التنظيم المتطرف إنه «استعراض عسكري» في المدينة، ضم نحو 60 سيارة رباعية الدفع مسلحة وحاصر جامعة المدينة، إضافة إلى مجمع الوزارات السابق في الجهة المقابلة.
وأفادت كلية الطب في الجامعة على لسان عميدها إدريس الشاعري: «لن تكون هناك محاضرات للطلاب، والدراسة للسنوات الأولى والثانية والثالثة بالكلية أوقفت اعتباراً من الخميس حتى إشعار آخر، كما سيتم تأجيل الامتحانات إلى نهاية الشهر الحالي، نظراً إلى الظروف الأمنية في المدينة». إلا أنه لم يشر إلى محاصرة التنظيم الجامعة.
المؤسسات الإعلامية
وكانت مصادر محلية بمدينة سرت ذكرت أن «داعش» في ليبيا يتجه إلى إعلان مدينة سرت ولاية تابعة له، عقب انتشاره في عدد من المناطق، مستغلاً الفراغ الأمني الذي تعيشه المنطقة بسبب انشغال الجيش الليبي بعملية الكرامة في مناطق ومدن أخرى، برغم تدخل الطيران الليبي في قصف عدد من المواقع أخيراً.
كما سيطر التنظيم على مقرات لمحطات إعلامية في سرت، من بينها إذاعة سرت وقناة مكمداس ومكتب قناة ليبيا الوطنية التابعة للحكومة، وأظهرت صور نشرتها مواقع متطرفة أن مسلحين جالسين أمام الميكروفونات وهم يرفعون رشاشاتهم.
في السياق، ذكرت تقارير ليبية أن سلاح الجو الليبي شن عدة غارات استهدفت قاعدة القرضابية في سرت ورتلاً عسكرياً في منطقة بن جواد. وذكر آمر عمليات سلاح الجو بالمنطقة الوسطى العقيد محمد منفور أن سلاح الجو استهدف هدفين بقاعدة القرضابية بسرت، لافتاً إلى أن سلاح الجو بالمنطقة الوسطى استطاع تدمير مخزن للعتاد بالقاعدة.
قصف الزنتان
في الأثناء، دخلت المواجهات العسكرية في ليبيا طوراً جديداً، بعد أن بادرت ميليشيات فجر ليبيا، الثلاثاء الماضي، باستعمال الطيران الحربي في قصف مطار الزنتان، تزامناً مع أحياء الذكرى الرابعة لانتفاضة 17 فبراير 2011 ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي.
وذكرت رئاسة الأركان العامة، من خلال بيان صدر عن غرفة عمليات المنطقة الغربية، أن الطيران الحربي التابع لميلشيا «فجر ليبيا» قصف مطار الزنتان المدني وقاعدة الوطية وبئر الغنم وأهدافاً أخرى على أطراف المدينة، دون وقوع خسائر بشرية. وأضاف البيان أن هذه الأعمال الجبانة لن تزيد العسكريين إلا عزيمة، وأن الرد سيكون قاسياً.
وتعتبر الزنتان أهم مركز للجيش الليبي والقوى المعترفة بشرعية مجلس النواب المنتخب والحكومة المنبثقة عنه بالمنطقة الغربية، ودخلت في مواجهات عسكرية منذ يوليو الماضي مع ميلشيات مصراتة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، انطلقت من العاصمة طرابلس، وانتهت بتدمير المطار الدولي والمناطق المجاورة له.
ويرى المراقبون أن القصف الجوي من قبل ميلشيات فجر ليبيا المتمردة على شرعية البرلمان الليبي وحكومة عبد الله الثني، جاء كأول ردة فعل على قصف الطيران المصري لمواقع تابعة لتنظيم داعش في مدينة درنة. كما يمثّل محاولة لتخريب مدرج المطار الوحيد بالمنطقة الغربية الذي لا يزال خاضعاً للسلطات الشرعية، ويمثّل جسر تواصل بين قوات الجيش الليبي في المنطقتين الشرقية والغربية.
..ويهدد بتنفيذ عمليات في المغرب
وجّه تنظيم داعش الإرهابي تهديداً للمغرب، من خلال شريط فيديو قال فيه أحد أعضاء التنظيم: إنهم سيضربون قريباً في الرباط بعمليات انتحارية ومفخخات.
وقال الإرهابي المغربي في صفوف «داعش» محمد حمدوش في رسالة: «سنضرب شوارع الرباط قريباً».
وهدّد بـ«استهداف كل من المغرب وإسبانيا». وفي رسائله ضد المغرب، أعلن حمدوش: «ستدق ساعة الزحف، والعمليات الانتحارية، والتفجيرات والمفخخات». وأشارت تقارير إعلامية مغربية إلى أن حمدوش، يتحدر من مدينة الفنيدق في ضواحي مدينة تطوان شمالي المغرب، وعمل ميكانيكياً قبل نجاحه في التسلل إلى معسكرات «داعش» في سوريا. ووفق إحصاءات رسمية مغربية، فإن 1500 مغربي يقاتلون مع التنظيم، لقي المئات منهم مصرعهم في سوريا والعراق، فيما لا يزال عدد العناصر المغاربة في ليبيا مجهولاً.
ومنذ الربيع الماضي، تسعى المغرب إلى مواجهة مخاطر تسلل الجماعات الإرهابية، من خلال تفعيل قانون ومنظومة «حذر» التي تعتمد على خطة الاستباق الأمني. وأكد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان في الحكومة المغربية، المحجوب الهيبة، ضرورة العمل من أجل معالجة شمولية لقضايا السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن «المقاربة المغربية كرست اليقظة والمرونة وفقاً لتغير التهديدات»، موضحاً أنها «مقاربة استشرافية تروم تجفيف منابع التعصب واستئصال جذوره، كونه يهدد المنطقة برمتها، وليس المغرب فحسب».
وأضاف أن المغرب «يظل مقتنعاً بأن المقاربة الأمنية ليست كافية وحدها لمواجهة الإرهاب والتعصب والكراهية، بل ينبغي تدعيمها بتدابير اقتصادية واجتماعية، وبتربية دينية ومدنية مناسبة».
آمال
أكد المحلل السياسي المتخصص في الشأن الليبي والباحث بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، ولفرام لاشر، أن تصعيد «فجر ليبيا» بقصف الزنتان سوف ينهي الآمال المعقودة على جهود الوساطة التي تبذلها الأمم المتحدة لإنهاء الصراع الدموي الراهن في ليبيا، خاصة بعد سيطرة الميليشيات المتطرفة على عدد من المدن.
