لا تزال مظاهر الحداد مسيطرة على الأجواء، حيث تتحول الساحات الواسعة بقرية العور بمحافظة المنيا إلى سرادق عزاء كبير، النساء متشحات بالسواد، والرجال برغم جلابيبهم الملونة إلا أن السواد قد اكتسى أعينهم؛ ليتناغم بغير قصد مع الحالة القاتمة المحيطة بالمكان. وبرغم مرور الأيام، إلا أن الحزن أصبح صديقاً دائماً لأهالي الضحايا المصريين الأقباط الذين ذبحوا على أيدي تنظيم داعش في ليبيا. ماتوا غرباء، ولم تعد أجسادهم إلى وطنهم، ولكن الوجوم على أهل القرية يثبت أن غربتهم لن تحول بينهم وبين بقائهم في قلوب من عرفوهم طيلة الأعوام الماضية، تنعدم مظاهر الفرح دون أن ينبئ الجو المحيط عن ميعاد سيظهر فيه. داخل منزل بيشوي أسطافنوس، وهو أحد الضحايا، تبكي النساء بغير عويل، ويأخذن العزاء من بقية نساء القرية. يلبسن جميعاً الحجاب برغم قبطيتهم؛ فنساء معظم قرى الصعيد لا يكشفن عن شعرهن.
تخرج تريزة، وهي أخت صموئيل مينا أحد ضخايا داعش، تبكي وتمارس طقوس الحزن علانية، تحاول الكلام، حيث تختلط الكلمات بنشيجها، لا تظهر كلماتها واضحة، ولكنها تحاول أن تخرج ما في قلبها لعله يستريح، ولكن وطأة الحزن تزداد من قوة الكلمات، تحضنها النسوة بالخارج، حيث تأخذ من أحضانهن متسعاً يمكن أن يطفئ من جذوة حزنها، ولكنها تبكي بكاء أشبه بالاحتضار؛ حيث تلتقط أنفاسها بصعوبة، ليواسوها، ولكنها لا تستمع سوى لصوت واحد، صوت أخيها البعيد.
لقمة العيش
وفي منزل أبانوب عياد إبراهيم لا يختلف الحال كثيراً، المنزل خالٍ إلا من بعض الملابس والكراتين، وصور متعددة، بينهم صورة قديمة على حائط المنزل. وفي بهو المنزل، تجلس السيدات بجانب بعضهن يحاولن أن يوصلن الدفء إلى قلوبهن الباردة، أما في الخارج فيجلس الرجال أمامهن النار؛ حيث لا مكان للنوم ولا الفرح. يقول والد أبانون: «ابني كان يعمل نقاشاً (عامل دهانات) في مدينة سرت، ما الجرم الذي ارتكبه غير بحثه عن لقمة العيش؟».
ألم وحزن على ضحايا الإرهاب
في القرية نفسها، يشهد منزل ماجد سليمان، مظاهر الحزن ذاتها، تحمل الزوجة صورة زوجها، تضعها أمامها أملاً في ألا تنسى تفاصيل وجهه الكاملة، تحضنه، وتتمنى أن تحدث المعجزة ويعود الفقيد، ولكن تعلم أنه ينتظرها في مكان أكثر رحابة من ضيق الدنيا. توضح ابنته أميرة: «المنزل فقير، أبي ذهب من أجل لقمة العيش، من لنا بعده؟». لا تبكي، تظل ممسكة بدموعها، آملة أن يرزقها الله قوته وثباته. وعلى الأرض، تجلس السيدات تاركات الكنبة الخشبية الوحيدة دون جليس، يجلسن في حلقة دائرية، دون أن تنبس إحداهن ببنت شفه، يرفعن تارة أيديهن بالدعاء، وتارة يتركن لدموعهن الساخنة العنان.