سرعان ما تحررت مدينة عين العرب وريفها من عناصر «داعش»، حتى تزايدت وتيرة عودة الأهالي بلهفة شديدة إلى المدينة، وأغلبيتهم قادمون من المخيمات التركية المجاورة، غير أن هذه الفرحة لم تدم طويلاً، ليس لأن القادمين اصطدموا بحجم الدمار والخراب التي اجتاحت المدينة، بل إن كابوس الألغام والقنابل اليدوية المزروعة في كل حدب وصوب غدت تطاردهم وتفتك بهم يومياً، حتى تصاعد عدد الضحايا إلى أكثر من 13 شخصاً في غضون أيام قليلة إذا ما قيس بعدد السكان العائدين غير الكبير.

وتشير المصادر الكردية المحلية إلى انعدام فرق الهندسة المختصة القادرة على تعقيب الألغام وإزالتها في ظل انشغال القوات العسكرية الكردية في مطاردة عناصر «داعش» على خطوط التماس، موضحة أن «هناك كماً هائلاً من قنابل زرعها «داعش» في بيوت المدنيين، وخصوصاً أن الألغام والقنابل اليدوية والمواد المتفجرة مشبوكةً بخيط رفيع على أبواب المنازل الرئيسة، وفي أدراج خزانة الألبسة وأدوات المطبخ وحقائب الأطفال والنساء ومجاري المياه، وحالما يتم ملامستها حتى تنفجر بأصحابها من دون إنذار مسبق».

جبال ألغام

وينقل جهاد حمو الذي عاد إلى منزله ليفاجأ بوجود كميات هائلة من الألغام داخل منزله، تفاصيل كادت تودي بحياته، حيث يقول :«لم أكن أتخيل أن نحو 50 كيلو من مادة «تي إن تي» شديدة الانفجار كانت مربوطة بخيط موصول بباب البيت الرئيس، وحتى إبريق الشاي تم حشوه بالمتفجرات، لو لم أنظر إلى المنزل، للوهلة الأولى عن طريق النافذة الخارجية المطلة على الشارع العام، لكنت في عداد الأموات الآن».

وعلى الرغم من الدعوات التي أطلقتها الجهات الكردية المحلية بعدم عودة السكان إلى منازلهم، ريثما تقوم الفرق الهندسية الدولية في انتشال بقايا المتفجرات ورصد الألغام المزروعة، فإن هذه المناشدات لم تلقَ آذاناً صاغية من قبل الجهات الدولية المعنية، فيما كان الكثير من المدنيين يعبرون إلى المدينة وريفها من خلال المسالك غير الرسمية.

زرع موت

ورصدت المصادر المحلية العديد من الحوادث التي تندرج ضمن هذه الحالة، فمنذ أيام قليلة انفجر أكثر من منزل عقب فتح أصحابه الباب الرئيس، كما أن التنظيم كان يرقم جدران أغلبية المنازل في الريف، وذلك بمجرد الضغط على الرقم المشار عبر الجهاز الخليوي أو اللاسلكي المرمي على جانب المنزل، ينفجر المنزل بأصحابه، وسقط إثر هذه الحالة تحديداً، أكثر من قتيل فضلاً عن العديد من الإصابات الحرجة، كما أن زرع الألغام والقنابل اليدوية وقذائف الهاون لم يعد محصوراً في المنازل والحارات فقط، إذ إن الأراضي الزراعية الشاسعة باتت حقلاً تحمل مخاطر انفجار في أي لحظة، كما جرى مع فلاح كان يحرث بالجرار حقله، بيد أن الجرار ارتطم بلغم مزروع وسط الحقل فأودى بحياته.

مخالفة تعليمات

ويقول عمر كوباني وهو قيادي في صفوف كتائب شمس الشمال: «الخطر مازال قائماً، نحن نمنع الأهالي من الاقتراب والعودة لكن، الأهالي وبدافع ضرورة تفقد منازلهم، يحاولون القفز فوق تعليماتنا التي قد تكلف حياتهم».

ويضيف: «ثمة قذائف هاون منزوعة الصاعق من رأسها، وهي غير قابلة للانفجار ومتكدسة في كل مكان تقريباً، لكن القذائف الخطرة هي لا تزال غير منزوعة رأس الصاعق، وأغلبية الأهالي والأطفال لا يميزون هذا الفارق، ومن المحتمل أن تكثر حالات الوفيات جراء هذا الأمر أيضاً».

آثار مدمرة

تقول هيفارون عبد الله وهي متزوجة، ولديها ثلاثة أطفال صغار، حيث كانت تحلم بالعودة إلى مدينتها المحررة، بعدما ذاقت مرارة العيش في المخيمات التركية المجاورة للمدينة: «باتت فرحة العودة غصة في حلوقنا وأسى في قلوبنا، لا يمكننا أن نرمي أنفسنا إلى الموت، فهؤلاء الهمج حتى إن تركوا المدينة وريفها، ستبقى بقايا آثارهم المدمرة مزروعة في كل منزل».