أكدت الولايات المتحدة أمس أن الأجوبة بشأن محاربة الإرهاب تتخطى المستوى العسكري والقوة، مشددةً على معالجة المسألة من القاعدة الاجتماعية فصاعداً، بينما اجتمع في السعودية قادة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الإرهابي العسكريون لبحث مسار الحملة، في حين كشفت إحصائية على هامش مؤتمر في جنيف لمكافحة الآفة وجود 1812 منظمة على لائحة الإرهاب.
وافتتح نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لقاء عالي المستوى حول التطرف في العالم، دعت إليه الولايات المتحدة، ويشارك فيه ممثلون عن نحو سبعين بلداً. وقال بايدن متوجهاً إلى مجموعة من المسؤولين الدينيين والاجتماعيين والأمنيين من جميع أنحاء العالم: «نحن بحاجة إلى أجوبة تتخطى المستوى العسكري، إننا بحاجة إلى أجوبة تتخطى القوة».
وتابع: «علينا جميعاً بما في ذلك الولايات المتحدة أن نعالج المسألة انطلاقاً من القاعدة فصاعداً»، مشدداً على ضرورة «إشراك مجتمعاتنا، وإشراك جميع الذين هم معرضون للتطرف».
وقال بايدن إن «التركيز اليوم على منع التطرف العنيف من إيجاد موطن له في مجتمعات الولايات المتحدة». وأردف: «لست أقول للصحافة ولا لأي من ضيوفنا إنني أعتقد أن أميركا لديها رد على كل الأسئلة، لكننا نملك خبرة أكبر بكثير، هذا كل ما في الأمر».
واعتبر بايدن أن «تقليد الولايات المتحدة باستيعاب المهاجرين قد يكون أحد أسباب تجنيب البلاد هجمات مثل تلك التي ضربت الدنمارك وفرنسا وبلجيكا، وكذلك كندا وأستراليا»، مضيفاً: «نحن بلد مهاجرين، وقوتنا تكمن في أننا مكان اندماج». وأثنى على رئيس بلدية روتردام المسلم أحمد أبو طالب الذي شارك في الاجتماع، ووجّه انتقادات شديدة إلى منفذي الهجمات في أوروبا.
وقال مسؤول بارز في الإدارة الأميركية إن هذه القمة «تتعلق ببناء شبكة شاملة للقتال ضد التطرف العنيف». وتبحث قمة البيت الأبيض في سبل التصدي للذين «يلهمون أفراداً أو مجموعات، ويحولونهم إلى متطرفين، ويمولونهم أو يجندونهم، من أجل ارتكاب أعمال عنف». وتتناول المناقشات تبادل المعلومات ومكافحة «المواد التي تدعو إلى التطرف العنيف» على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تقييم فعالية هذه الاستراتيجيات.
لقاء الرياض
وبالتوازي، بدأت أمس أعمال المؤتمر الخامس لرؤساء هيئات الأركان لدول التحالف ضد تنظيم داعش الإرهابي ومناقشة الأوضاع في سوريا الذي تستضيفه رئاسة هيئة الأركان العامة بوزارة الدفاع السعودية، بمشاركة 26 دولة ممثلة برؤساء هيئات الأركان من الدول الشقيقة والصديقة.
وأفادت مصادر دبلوماسية أن قادة عسكريين من حول العالم اجتمعوا في الرياض، لتقييم مسار الحرب ضد «داعش». وأكد المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن اللقاء الذي يختتم اليوم الخميس «يأتي استكمالاً لمحادثات أجريت سابقاً، ويجمع كل الدول المنخرطة إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد التنظيم».
وبحسب المصدر، إن الاجتماع «سيكون بمنزلة تقييم عام للوضع بعد شهور طويلة من الحرب». وكان مصدر دبلوماسي قال إن اللقاء «أقرب إلى لقاء لتبادل المعلومات وفرصة للتنسيق، وليس منتدى يتم خلاله اتخاذ قرارات حاسمة».
مؤتمر جنيف
وفي جنيف، اختتم المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب أعماله أمس، الذي نظمته الشبكة الدولية للحقوق والتنمية بمشاركة 200 من الوزراء والخبراء والمنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية، يمثلون 45 دولة من الدول العربية والأوروبية. وتناول المؤتمر مخاطر الإرهاب وتهديداته للأمن والسلم العالمي.
وأشارت الإحصائيات الصادرة عن المؤتمر أن هناك 1812 منظمة مدرجة على قوائم الدول بتهمة ممارسة الإرهاب، ويعمل تحت رايتها بشكل مباشر أكثر من 13 مليون شخص، ويتأثر بأفكارها ما يقارب 80 مليوناً، يسيطرون بشكل كامل على ما يقارب 12,5 مليون كيلومتر مربع من مساحة العالم، فيما بلغ عدد القتلى 632,716، وعدد الجرحى 1,763,802، وارتفع عدد النازحين إلى 18 مليوناً.
ودعا رئيس الشبكة الدولية للحقوق والتنمية لؤي الديب، في تصريحات لـ«البيان»، إلى «التعاون المشترك وتنويع أساليب مواجهة الإرهاب، إلى جانب العمل العسكري والدبلوماسي، والتعرف أكثر إلى منابع الإرهاب ودوافع الإرهابيين»، مشيراً إلى أن الشبكة «تتكامل وتتعاون مع منظمات المجتمع الدولي، من أجل الحد من ظاهرة تمدد الإرهاب».
وأوضح الديب أن توصيات المؤتمر «أكدت أن إجراءات مكافحة الإرهاب يجب أن لا تشمل تهديد أمن واستقرار الدول، والإضرار بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية». وطالب المؤتمر بـ«إنشاء مجلس دولي لمكافحة الإرهاب لتوحيد الإرادة الدولية، واتباع إجراءات سريعة وعاجلة وتشريعات قابلة للتنفيذ لمواجهة التحديات ومخاطر الإرهاب».
جلسات
تركزت الاجتماعات على الجهود الأميركية للتصدي للتطرف على الأراضي الأميركية. وأمس، انضمت هيئات القطاع العام والمنظمات غير الحكومية ومدن حول العالم إلى الاجتماع. واليوم، سيتم التركيز على الجهود الدولية، وسيطلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري المناقشات.
أسئلة مفتوحة أمام قمة مكافحة الإرهاب
افتُتحت قمة مكافحة الإرهاب في واشنطن في ظلّ ثلاثة أسئلة أساسية: هل العنف المروع الراهن عالمي أم إقليمي؟، من يمارسه ولماذا؟، من ينبغي أن يتصدّى له وكيف؟. عن كل سؤال تتناسل أسئلة فرعية كثيرة. وحول كل منها تتنوع المقاربات والردود. إذا كانت تتلاقى على شيء فهو أن الاستراتيجية المعمول بها حالياً قاصرة. أعطت نتائج ميدانية لكنها محدودة. الإدارة الأميركية تصرّ بأنها استراتيجية ناجعة، لكنها تدرك نواقصها.
مع ذلك عازمة على التمسك بها ولو انها قد تجري عليها تعديلات من ضمن إطارها. ما يزيد عن ذلك، العسكري منه وغير العسكري، على الآخرين القيام به. ولذلك هي دعت إلى عقد هذه القمة. نائب الرئيس جو بايدن ألمح إلى ذلك في افتتاح أعمال القمة، في معرض إشارته إلى أهمية المطلوب، خاصة الشق غير العسكري.
وتزداد أهمية ومسؤولية القمة بحكم انعقادها في لحظة تصعيد عنيف وشديد الخطورة يقوم به «داعش» الذي يوسع عملياته ومداره الجغرافي من العراق إلى ليبيا. يقابل ذلك احتدام الخلاف بين الإدارة والكونغرس حول مدى الدور الأميركي. ويعود ذلك إلى التباين في المقاربات لأساسيات هذا التحدي.
سياق عالمي
ويضع البيت الأبيض حالة العنف الذي تشهده المنطقة في سياق عالمي تاريخي. عنف شهد العالم مثله في حقبات تاريخية مختلفة، كما قال الرئيس باراك اوباما قبل أسبوعين. طرحه هذا أثار موجة انتقادات ومآخذ، ليس فقط من جانب المحافظين..
بل أيضاً من قِبل بعض كثيرين من المستقلين. استحضار التاريخ، يقول هؤلاء، كان في غير محله ومن شأنه ان يقود إلى استنتاجات خاطئة وتهوين أمر العنف المتفاقم وبما يزيح التركيز عن جوهرها ولوازم مواجهتها. فهم يرون أن المشكلة إقليمية، لها حيثياتها الشرق أوسطية المختلفة وتستلزم بالتالي التصدي لها على هذا الأساس.
تعريف وعنوان
والتباين حول هذه النقطة أدى إلى جدل وخلاف حول التعريف وما إذا كان في المسألة جانب ايديولوجي أم لا. ويضع اوباما الظاهرة في إطار «العنف المتطرف» أو «العنف الإرهابي» ويرفض غير هذه التسمية. عنوانه للقمة بقي في حدود «قمة العنف المتطرف». التعليل أن وضعها تحت عنوان «التطرف الإسلامي» يوحي بإدانة جميع المسلمين.
وهذا تحامل واستعداء من شأنه وضع المواجهة في خانة صراع الحضارات بين شرق وغرب. بل هذا ما يسعى إليه الإرهاب، كما تحذر الإدارة. تعريف أثار غضب المحافظين الذين يصرون على ربط العنف الحاصل بـ«التطرف الإسلامي» الذي لا يعني وضع كل المسلمين في خانة الإرهاب، كما يقولون.
قوات برية
وقاد التباين في تحديد الجهة المستهدفة إلى سجال وضغوط حول كيفية التصدي. أصحاب الخيار العسكري يدفعون باتجاه زيادة عدد القوات الأميركية بحدود عشرة آلاف لمقاتلة «داعش» إضافة إلى عسكرة دورها الميداني ولو وراء الخطوط الأمامية. فذلك بات ضرورة، بحسب الكثير من القراءات، في ضوء التطورات الأخيرة.
وتردد أن البيت الأبيض بات يميل إلى هذا التوجه. لاسيما وأن الرأي العام الأميركي بات أقرب إلى دعم التدخل بقوات برية بنسبة 47 في المئة ولأول مرة بعد حرب العراق. الإرهاب والذبح والحرق الذي توالت فصوله في الأيام الأخيرة، ساعد في تغيير المزاج وأثار تخوفات حقيقية.
ولا تبدو الإدارة الأميركية في وارد تغيير سياستها والانتقال إلى اعتماد خطة محددة الأغراض والوسائل. وما لم تقوم بمثل هذه النقلة، يبقى ما تقوله «مجرد كلام» غير هادف كما يقول الخبير الاستراتيجي انطوني كوردسمان من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن. توسلت القمة لاستنفار وتعزيز تحالف دولي ما زال يشكو من الثغرات، لكن ذلك لن يفلح في تغيير الوقائع «ما لم تقم واشنطن بتطوير دورها. هذه الحرب هي حربهم»، أي حرب العرب بحسب القناعة السائدة في واشنطن. لكن على هذه الأخيرة أن تتولى قيادتها. فهل تفعل؟.
