لليوم الـ269 على التوالي، لا يزال لبنان من دون رئيس للجمهورية، في حين أطفأت حكومة الرئيس تمام سلام، أول من أمس، شمعة الذكرى السنوية الأولى لتشكيلها، أي غداة إحياء ذكرى مرور العقد الأول على اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وبطبيعة الحال، لم يكن هناك أي ترابط بين المناسبتين إلا من زاوية مصادفة الموعدين والتاريخين.
ولكن هذه المصادفة غدت أكثر من مصادفة زمنية، إذ أمكن النفاذ من المناسبتين لإثارة إحدى أهم الإشكاليات والمسائل التي تعني لبنان وهي مسألة الاعتدال الإسلامي حصراً، والذي كان البعد الأساسي الذي جاء بالحكومة قبل سنة.
وبات الآن في مهبّ يتهدّده عبر غرقها في ملابسات الحكم: تجويف مفهوم السلطة التنفيذية وفصل السلطات، من خلال تحويل مجلس الوزراء الى مجلس رئاسي يحظى فيه الوزير بحق الفيتو ويشلّ القرار الحكومي ويعلّق الجمهورية العالقة أصلاً على درب صليب الأزمة السياسية والرئاسية، حتى إشعار آخر موصول بالصفقات الدولية والإقليمية.
كلمة الحريري
وكان الرئيس سعد الحريري شارك، شخصياً، في المهرجان الذي أقامه تيار المستقبل يوم السبت الماضي، إحياءً للذكرى السنوية العاشرة لاغتيال والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.
وألقى كلمة وصفت بـ«الضامنة للمواقف الإيجابيّة» إذ ضمّنها مواقف تحت عنوان «الاعتدال في زمن التطرّف» وذلك كخطوة إضافية في مسألة التقريب بين القيادات والأطراف والفئات في قالب لبناني موحّد وفق إجماع مصادر مقرّبة من تيار المستقبل، فوصف أحدهم كلمة الحريري بأنها «أتت ككاسحة ثلوج أو ألغام، لتفتح الطرق السياسية نحو انتخاب رئيس للجمهورية وتحصين لبنان».
وكان الحريري تمكّن، في كلمته، من إطلاق جملة من المواقف الواضحة: أولاً، التأكيد على ضرورة الحوار مع حزب الله لاستيعاب الاحتقان المذهبي وإنهاء الشغور في الرئاسة الأولى، الذي ردّه الحريري إلى الصراع على السلطة، من دون أن يعني ذلك إنهاء الخلاف السياسي مع الحزب.
ثانياً، إطلاق موقف واضح بشأن الأزمة السورية، لجهة اتهام الرئيس بشار الأسد بـ«تدمير سوريا»، وتسمية مشاركة «حزب الله» بالحرب السورية «جنوناً استدرج جنون الإرهاب». ثالثاً، التأكيد على دعم الجيش والقوى الأمنية، بدون شروط وبلا حدود، في وجه الإرهاب والتطرّف.
الاعتدال ضد التعصب
وإذ أعلن الحريري المضيّ في مشروع الراحل الحريري على درب الاعتدال ضدّ التعصب والتكفير، فإنه أعاد النبض إلى قلب السياسة شبه المتوقف في شقيه الخاص والعام. في الخاص، وضع الحريري مؤيّدي تياره في الظروف التي أملت الحوار مع حزب الله، كما طمأن الحلفاء بأنه في صلب مسيرة «14 آذار» في عبورها الصعب إلى الدولة.
وإلى حزب الله أوصل الحريري رسالة صريحة، بأن في يد الحزب الانتقال من مرحلة ربط النزاع مع المكوّنات الوطنية إلى علاقة ندية، والخطوة الأولى تبدأ بالعودة الى لبنان. وفي الشقّ الرسمي، يأمل المراقبون أن يسهم وجود الحريري في لبنان في إنقاذ الآلة الحكومية من التوقف الكلي، من خلال إيجاد السبيل إلى تعديل مقبول لآلية إدارة مجلس الوزراء.
أزمة
لا تزال التجاذبات الحكومية سيدة الموقف، تحت عنوان «الآلية». وحتى الآن، لا قرار نهائياً على هذا الصعيد، ما يعني أن الحكومة معطّلة حتى إشعار آخر. ذلك أن الحديث الجدي عن الرئاسة الأولى لا يزال مؤجلاً.
أما الأزمة الحكومية، فإنها تلقي بظلالها على المشهد السياسي، وسط ترجيح بألا يُكتب النجاح لأيّ تعديل في آلية العمل الحكومي، ذلك أن موقع أيّ وزير في الحكومة يتيح له تعطيل أيّ قرار، والجميع معتمد على القرار الداخلي والخارجي بألا بديل عن هذه الحكومة في المرحلة الحالية، بانتظار إنهاء الشغور في موقع الرئاسة الأولى.