ينظر التونسيون بتوجس كبير لتطورات المشهد الليبي وسيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مناطق مهمة داخل الجارة الشرقية، وفي أكثر من مناسبة قال المسؤولون والخبراء الأمنيون التونسيون إن الخطر الحقيقي الذي يستهدف بلادهم هو ذلك القادم من ليبيا التي تحولت إلى ملجأ للجماعات الإرهابية بما فيها الجماعات التونسية الملاحقة أمنياً وقضائياً ما دفع تونس لتأمين حدودها المشتركة مع ليبيا.

وجاءت صور إعدام العمال المصريين على سواحل مدينة سرت لتزيد من هلع التونسيين الذين لا يزالون يبحثون عن إمكانية فك الغموض حول صحافييْن هما سفيان الشورابي ونذير القطاري المفقوديْن منذ 9 سبتمبر الماضي داخل منطقة الهلال النفطي الليبي وأعلن تنظيم داعش أنه اعدامهما إضافة إلى تأكّد نسبة مهمة من التونسيين من أن تنظيم داعش بات قريباً من الحدود المشتركة مع ليبيا، ويمكن له في أي وقت أن يبادر بالقيام بعمليات داخل البلاد من خلال تحريك خلاياه النائمة.

انتشار عسكري

ولمواجهة كل السيناريوهات أفاد الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع التونسية المقدم بلحسن الوسلاتى أن الوحدات العسكرية مدعومة بوحدات الحرس الوطني والجمارك منتشرة بترتيبات دفاعية متكاملة على كامل الشريط الحدودي البري والبحري مع ليبيا من أجل تأمينه ومنع أي تهديد لسلامة التراب التونسي أو أي محاولة لإدخال أسلحة أو تسلل عناصر إرهابية للبلاد مع التصدي في المدة الأخيرة لكل محاولات تهريب السلع المدعمة إلى ليبيا.

وقال في تصريحات صحافية إن الوضع في ليبيا محل متابعة دقيقة من السلطات التونسية، مشيراً إلى أن طلعات جوية لمراقبة المجال الجوي والحدود البرية والبحرية لتونس تؤمنها مروحيات وطائرات حربية تابعة للجيش الوطني.

في غضون ذلك، أكدت مصادر أمنية تونسية لـ«البيان» أن تونس تراقب بحذر كبير تحركات الجماعات الإرهابية في المناطقة الليبية المتاخمة لحدودها.

وأشارت إلى حصول الجهات السيادية التونسية على تقارير استخباراتية تؤكد وجود معسكرات لتدريب المقاتلين المتشددين في مدن مثل صبراتة وصرمان الساحليتين القريبتين من تونس إضافة إلى الزاوية وطرابلس وبعض مناطق الجبل الغربي، وأن هذه المعسكرات يشرف عليها تنظيم أنصار الشريعة المحظور بجناحيه التونسي والليبي الذين سبقا وأعلنا مبايعتهما لتنظيم داعش الإرهابي.

تمدد داعشي

وأضافت المصادر ذاتها أن تنظيم داعش داخل ليبيا له امتدادات في تونس وهو ما أثبتته التحقيقات مع عناصر الجماعات الإرهابية التي تم الكشف عنها أوائل الشهر الجاري عندما كانت بصدد إعداد خطة لضرب مؤسسات حكومية منها مقر وزارة الداخلية التونسية وثكنات تابعة للجيش والأمن وبعض المنشآت السيادية الأخرى والمناطق السياحية سواء في العاصمة تونس أو في ولاية نابل (شمال شرق).

جاء ذلك بعد أسابيع من إعلان القيادي التونسي في تنظيم داعش كمال زروق المتهم الرئيسي في اغتيال القيادييْن اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في العام 2013 أن التنظيم الإرهابي بات على مقربة من الحدود التونسية بمسافة لا تتجاوز 100 كيلومتر وهو يستعد لإطلاق «عملية فتح تونس» وفق تعبيره.

تحالف إقليمي

ويرى المراقبون أن تونس تحتاج إلى تنسيق جدي مع دول الجوار لدرء مخاطر داعش، وهو ما سبق أن أكد عليه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي الذي قال إن «الحرب ضد الإرهاب لن تحقق أهدافها إلا من خلال تحالف إقليمي مدعوم دولياً».

وبحسب المحلل السياسي التونسي جمعي القاسمي فإن التحالف مع مصر والجزائر ودول الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط وخاصة إيطاليا وفرنسا بات ضروريا لضرب معاقل داعش داخل التراب الليبي لمنعها من التمدد في بقية الدول وخاصة تونس التي أكد وزير داخليتها ناجم الغرسلي أنها مهددة من قبل الخلايا النائمة والتي تتكون من عناصر عائدة من سوريا والعراق.

ويؤكد رئيس المركز التونسي للأمن الشامل مختار بن نصر أن خطر داعش داخل ليبيا يهم كل دول المنطقة بما فيها الدول الأوروبية وهو ما يفسّر الموقف الإيطالي الداعي إلى تكوين تحالف دولي لضرب معاقل الإرهاب داخل التراب الليبي، مشيرا إلى أن تونس مهددة في كيانها وهي تحتاج إلى دعم وإسناد من الدول الشقيقة والصديقة وكذلك إلى موقف إقليمي موحد يكون لها دور فيه لمواجهة الخطر الزاحف من ليبيا.

 

ملف الإرهاب

شدد وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي في تصريحات صحافية على هامش الزيارة التي أداها إلى ولاية نابل على أن «مقاومة الإرهاب وبسط الأمن بين التونسيين في مقدمة أولويات عمل الوزارة».

وقال إن «ملف العائدين من سوريا هو ملف خطير»، مبرزاً أن وزارة الداخلية «تتابع هذا الملف بكل دقة واتخذت بعد كل إجراءات المتابعة والمراقبة والإحالة على القضاء عند الضرورة للتوقي من هذا الخطر الذي لا يهدد تونس فحسب».

تونسيون يغلقون معبر رأس جدير

 

تراجعت الحركة بمعبر راس جدير الحدودي، بين تونس وليبيا رغم تواصل التوافد عليه، بسبب الاحتجاج الذي نفذه عدد من التونسيين ومن نشطاء المجتمع المدني بمدينة بنقردان قرب المعبر، لمنع الدخول إلى الأراضي التونسية والسماح فقط للليبيين، بالعودة إلى وطنهم على خلفية الأحداث الميدانية في ليبيا، لا سيما الانفلات الأمني المتزايد خاصة بعد المذبحة التي اقترفها تنظيم داعش بحق 21 مصرياً.

وقال شهود عيان إن طوابير سيارات ليبية بقيت عالقة بالممرات داخل معبر راس الجدير، فيما اضطرت عربات أخرى إلى البقاء رابضة خارج المعبر، في انتظار إمكانية السماح لها بالعبور.

مطالب تنموية

وجاء هذا التحرك في إطار الضغط من أجل غلق المعبر، إلى حين تلبية المطالب العاجلة للمنطقة وخاصة منها إلغاء رسوم العبور واستئناف النشاط التجاري، فضلاً عن مطالب أخرى تنموية.

وأوضحت أطراف أمنية تونسية بالمعبر، أنه ليس من مشمولاتها اتخاذ قرار بغلق المعبر الذي قالت إنه يبقى «قرارا سياسيا بالأساس» وأنها تحرص على حماية هذه المنطقة الأمنية وتواصل تأمين كل خدمات العبور للوافدين على المعبر، دون أن تمنع أي وافد من الدخول أو المغادرة.

وقال الناطق الرسمي لوزارة الخارجية التونسية، مختار الشواشي، إن الدبلوماسية التونسية ستواصل حيادها تجاه الأزمة الليبية، مضيفاً: «النية تتجه إلى إعادة الحضور القنصلي لدى ليبيا».