دموع تختلط بصراخ مكتوم، وجوه ارتسم عليها الذهول وعدم تصديق النبأ المزلزل، وإيمان بقضاء الله برغم مرارة الفقد، كلمات متقطّعة لا تجد طريقها إلى أفواههم، وعيون زائغة لا تقوى على النظر، ولكنها تواصله أملاً في رؤية الفقيد، إنهم أهالي 21 مصرياً قبطياً ذهبوا إلى العمل في ليبيا ليقرر تنظيم «داعش» الإرهابي أن يذبحهم بغتة، ليتحول حلم أهاليهم في مصر إلى كابوس.

«البيان» التقت عدداً من أهالي الضحايا بقرى محافظة المنيا بصعيد مصر، حيث قال عطا سعد، شقيق أحد الضحايا: «لقد علمت بخبر إعدام أخي مثلي مثل بقية الناس عن طريق الإعلام، برغم علمنا أنهم مخطوفون منذ أسابيع، وبرغم ذلك فإني أحتسب شقيقي عند الله، فهو أرحم بهم من بني البشر».

وفي ما يتعلق بتوجيه ضربة جوية إلى معاقل «داعش» من قبل الجانب المصري، أوضح عطا: «لقد أثلجت تلك الخطوة قلوبنا»، مطالباً الدولة المصرية بالعمل على عودة جثامين ذويهم من أجل أن يدفنوا في بلدهم. وأكد عطا ثقته بالجيش المصري، وبالرئيس عبد الفتاح السيسي، لكنه أبدى استياءه من الحكومة المصرية التي قصرت في أداء مهامها طيلة 45 يوماً احتجز فيها أخوه وعدد من المصريين معه.

عودة جثامين

أما ملاك ناجي، شقيق أحد الضحايا، فأكّد هو أيضاً أن مطلبه الآن يتلخص في عودة جثمان شقيقه من أجل دفنه بمسقط رأسه، مشيراً إلى أنّ «القرية بكاملها تعيش الآن حالة حداد، بعد طريقة الموت تلك التي واجهها أبناؤها».

في السياق، أوضح سعد خليل، ابن عم أحد الضحايا: «لا نريد سوى الحق، ونريد من الرئيس السيسي أن يعيد لنا حقوقهم، فلم يقترفوا أي خطأ سوى البحث عن قوت يومهم»، مشيراً إلى أنّ «قريبه الذي أعدم كان عريساً ولم ير ولده، سافر من أجل تكوين حياة أسرية جيدة لزوجته»، ومؤكداً أنّه «يجب على السلطة المصرية أن تعيد بقية المصريين الموجودين بليبيا حقناً للدماء».

أقصى عقاب

بدوره، أشار صموئيل فايز إلى أن ابن عمه، وهو أحد الضحايا، كان يعول أسرة كاملة، ليسافر إلى ليبيا من أجل الوفاء بمتطلباته، لتختفي أخباره مدة طويلة، ثم يعلموا بخبر اختطافه من وسائل الإعلام، ليتوجهوا إلى مجلس الوزراء من أجل تقديم الشكاوى، إلى جانب قيامهم بعدة فعاليات أمام نقابة الصحافيين وكاتدرائية العباسية، ولكن لم يتم الرد عليهم.

وبمرارة يقول صموئيل: «نعم كنا نعلم مصير أقاربنا قبل تلك الواقعة»، مشيراً إلى أنّ «الدولة المصرية يجب عليها أن تُنزل أقصى العقاب على القتلة».

مشهد لن ننساه

بينما أوضح ميلاد فايز الذي فقد 5 من أقربائه: «لن أنسى إطلاقاً مشهد الذبح الذي رأيته أمام عينيَّ على شاشة التلفاز، فقد كان المسؤولون يصرون على تطميننا، وتأكيد احتوائهم لذلك الموقف، لتستمر تلك التطمينات قبل ساعات قليلة من عرض الفيديو، وهو الأمر الذي أذهلنا جميعاً، وجعلنا غير مصدقين لما كنا نراه».

وعلى جانب آخر، أشار فايز إلى أنّ فيديو آخر كان السبب في عودة قليل من الحياة إلى قلوب أهالي الضحايا، وهو فيديو الضربة الجوية التي أتلفت مكان ذخيرة هذا التنظيم الإرهابي، ولكنه برغم ذلك كان يرى أنّ «قرار التدخل ذلك كان يجب أن يكون قبل الحادثة لإنقاذ أرواح الأبرياء لا بعدها».

عدم تصديق

وعلى جانب آخر، لم يتمكّن العديد من أهالي الضحايا من الإدلاء بأي تصريحات، بعدما أدت بهم الصدمة إلى حالة عصبية استلزمت مكوثهم في المستشفيات، وهو الأمر الذي واجهته زوجة شنودة إبراهيم التي فقدت وعيها حالما سمعت النبأ وهي تحمل طفلها، ليصاب وليدها في رأسه، ويدخلا معاً مستشفى القرية، الأمر نفسه واجهه 6 آخرون نقلوا إلى المستشفى، حيث لم تتحمل قلوبهم ذلك الخبر.

مظاهر عزاء

وداخل القرى نفسها، انتشرت مظاهر العزاء، حيث قام ثلاثة من العرسان بإلغاء حفل زفافهم، يأتي ذلك في الوقت الذي منعت فيه الأفراح داخل القرى مدة عام كامل، حداداً على الشهداء الذين ذهبوا غدراً، والأمر نفسه حدث مع المرشّحين للانتخابات البرلمانية الذين قرروا تخصيص جزء من دعايتهم إلى أسر الضحايا المكلومين على أبنائهم، معلنين الحداد ثلاثة أيام على روح الشهداء.