ظل المغرب في معزل عن تهديدات الجماعات المتطرفة التي توجد في الدول المجاورة لفترة طويلة، لكن تهديدات «داعش» الأخيرة تجعل خطر العنف يقترب من البلاد بشكل كبير...
فقد استطاع تنظيم داعش استقطاب المئات من الشباب المغربي، الذي اعتنق فكر التكفير والقتل، ليغادر البلد كل بطريقته، في اتجاه معسكرات التنظيم الإرهابي التي توجد في سوريا والعراق، ما جعل السلطات تعد خطة مدروسة للرقابة الإلكترونية التي أثبتت لحد الآن نجاعتها لكنها غير كافية في غياب التشريعات.
وأعلنت وزارة الداخلية المغربية أنه «تم توقيف مغربيين اثنين بكل من مدينتي الحسيمة ووجدة (شمالي البلاد) يقومان بالدعاية للتنظيم على خلفية نشره لأفكار ومواد إعلامية تحض على الكراهية والقتل على أساس ديني».
وأوضحت أن الناشطين كانا يعمدان بشكل متواصل إلى الدعاية لداعش، وذلك عبر نشر كتابات وتسجيلات مرئية وصور تشيد بالأعمال الإرهابية والوحشية التي يرتكبها مقاتلو هذا التنظيم الإرهابي. وأكدت أن أحد المشتبه فيهما «ما فتئ يقوم بالتحريض على الانخراط في عمليات تخريبية، وذلك من خلال نشره لكتابات ومقاطع فيديو عبر الشبكة العنكبوتية، تشيد ببعض العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها بدول غربية وعربية».
مراقبة
وعلى غرار ما يجري في مختلف حكومات العالم، يخضع الإنترنت للمراقبة، وأكد تقرير لشركة غوغل العالمية أن «المغرب يعد من بين الدول التي تراقب عبر أجهزة فرنسية وأميركية، ما يجري من استخدام للإنترنت على العديد من المستويات، خاصة بعد استفحال جرائم المعلوماتية وتزايد أعداد الحركات التي تنشط خارج دائرة المؤسسات والجماعات الإسلامية».
وهذا الانفتاح الذي يفتح الباب على مصراعيه لتحديات تهم الأمن الثقافي والقيمي والهوياتي بالمغرب، يطرح مشكلة «ضعف المواكبة التشريعية» حيث يشكو التشريع المغربي من نقص في هذا الباب، إذ يمكن الوقوف عند قانونين يتممان مجموعة العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي: القانون رقم 07.03 ويتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات، الصادر سنة 2003..
والقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الصادر سنة 2009..
وهما قانونان لا يرقيان إلى طليعة التشريع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب الإلكتروني، مما يفرض على الحكومة والبرلمان استشارة الخبراء في السياسة الأمنية والهندسة المعلوماتية، في سن قوانين متطورة وقادرة على مواجهة الجريمة الإرهابية التي تستعمل أحدث التقنيات، وتشكل خطراً على المغرب آنياً ومستقبلًا.
وفي إطار محاربة الإرهاب والتصدي لسبل دعمه والترويج له، تقدمت الحكومة المغربية بمشروع قانون ينص على محاكمة كل من يضع علامة «أعجبني» سواء باللغة العربية أو بالفرنسية أو الإنجليزية، والتي تستعمل في الموقع الاجتماعي «فيسبوك» للتعبير عن إعجاب المتصفح بمادة أو صورة أو تعليق تقاسمه معه أصدقائه، على مادة إرهابية أو يعيد مشاركتها.
مشروع قانون
وناقش البرلمانيون أعضاء لجنة العدل والحريات مشروع القانون واستجوبوا وزير العدل مصطفى الرميد حول ما إذا كان الفعل غير مقصود، حيث يمكن أن توضع علامات الإعجاب خطأ، وأوضح الرميد «أنه لا يمكن أن ننص على النيات والقصد في القانون»، مبرزاً أن «المادة الإرهابية تنتشر بسرعة، ما يخلق جواً من عدم الاطمئنان، لذلك لا يمكن التساهل مع الترويج والدعاية للإرهاب».
وأكد الرميد، متحدثاً في لجنة العدل والحريات وحقوق الإنسان في مجلس النواب، على ضرورة ملاحقة الإرهاب من منابعه والتي يعتبر الانترنت أحد المروجين له، موضحاً أن «الإجراءات في محاربة الإرهاب ستشمل الناشرين له عبر الشبكة العنكبوتية».
وحدة معلومات
في العام 2014 أحدثت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بالمغرب «الاستخبارات الداخلية»، وحدة خاصة لتحليل المعلومات بشأن الشبكات والخلايا الناشطة في تجنيد المتطوعين للقتال في سوريا والعراق على الإنترنت، وتشتغل هذه الوحدة الخاصة بتنسيق مع ضباط المديرية العامة للدراسات والتوثيق...........
والملحقين العسكريين بالسفارات المغربية في كل من لبنان والعراق والأردن وتركيا، وأجهزة المخابرات للدول المشاركة في مؤتمر بروكسيل حول المتطوعين للقتال في سوريا.
وبحسب مصادر بوزارة الداخلية المغربية فإن «من بين مهمات الوحدة الخاصة تحليل المعلومات المتعلقة بشبكات تجنيد الجهاديين عبر الإنترنت، أو التي تمكنت من تشكيل خلايا نائمة لهذا الغرض، وإعداد قاعدة معطيات تساعد على رصد وتعقب نشاطات هذه الشبكات والخلايا العابرة للحدود».
كما شددت السلطات الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي لرصد المشتبه بانتمائهم للتنظيم، وقامت بحملة تعقب كإجراء استباقي بعدد من المدن المغربية للذين التحقوا بصفوف «داعش»، خاصة بعد التطورات الأخيرة في المنطقة، حيث أعدت السلطات الأمنية قوائم لمن اعتبرتهم «رموز التنظيم المغاربة»، وتم الاستماع إلى عوائلهم وأقربائهم.
ويعتبر الخبير المغربي في مجال الأمن المعلوماتي علي العزوزي في دراسة له أن «مسألة استتباب الثقة الرقمية هي من مسؤولية الدولة التي يقع عليها واجب ضمان الأمن داخل الفضاء الإلكتروني».
وأضاف أنه «مع أن مراقبة عالم الإنترنت الذي لا حدود له تظل مهمة جد صعبة سواء بشرياً أو تقنياً، فإن ذلك لم يمنع العديد من الدول من اتخاد مبادرات في هذا الشأن، تختلف من حيث مقاربتها باختلاف البلدان المعنية والثقافات المحلية السائدة بها».
وأوضح العزوزي أنه في ظل غياب نص مرجعي يؤسس لاستراتيجية وطنية لتأمين الفضاء الإلكتروني المغربي، أفرزت السياسات إجراءات مختلفة ومبادرات في هذا المجال، لعل أبرزها برنامج «الثقة الرقمية» الذي ورد في سياق استراتيجية «المغرب الرقمي 2013»، وهو الذي يعد بلا شك خارطة الطريق في هذا المجال.
وينبه العزوزي إلى أن العديد من البلدان تقوم بتعبئة قواها لمكافحة ظاهرة الجرائم الإلكترونية، مشيراً إلى أن هناك مجموعة من المبادرات المختلفة التي تتخذ في هذا السياق، وإن كانت مستويات تنفيذها تختلف من بلد إلى آخر.
جريمة ضد الإنسانية
ومن جهته يرى الخبير في الشأن الأمني خالد الشرقاوي السموني، أن «العالم يشهد اليوم تطوراً هائلًا في وسائل الاتصالات وتقنية المعلومات..
حيث أدى ظهور التكنولوجيا المتطورة إلى تغيير شكل الحياة في العالم، وأصبح الاعتماد على وسائل تقنية المعلومات الحديثة يزداد يومًا بعد يوم، سواء في المؤسسات المالية، أو المرافق العامة، أو المجال التعليمي، أو الأمني أو غير ذلك، حتى أصبح يطلق على هذا العصر- عصر الثورة المعلوماتية. وقد ترتب على هذه الثورة الكبيرة للتقنية بروز مصطلح الإرهاب الإلكتروني».
إرهاب رقمي
وقعت 30 دولة على أول اتفاقية دولية لمكافحة الإجرام المعلوماتي في العاصمة المجرية بودابست عام 2001، عقب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر من العام نفسه.
لذلك أصبح الإرهاب الإلكتروني يثير اهتماماً دولياً بسبب انتشاره في معظم أنحاء العالم، ويشكل جريمة ضد الإنسانية تجاوز مداها الحدود الضيقة للبلدان لتأخذ صفة العالمية، وأصبح خطرًا يهدد ويخيف العالم بأسره.
ويشير خبراء إلى أن «الجريمة الإرهابية تعتبر تطوراً تقنياً للفعل الإرهابي في ظل العولمة الثقافية، وتوجه حالياً تحديات كبيرة في مواجهتها ومكافحتها، نظراً لأساليب التقنية التي تستخدمها من ناحية، وتنوع أشكالها وتعددها من ناحية أخرى. مما يجعل هذه الجرائم تمثل تهديداً خطيراً لأمن الفرد والمجتمع، لذلك فإن أجهزة الأمن تحتاج إلى كثير من العمل لتطوير قدراتها للتعامل مع جرائم الكمبيوتر والوقاية منها».
لمشاهدة الجراف بالحجم الطبيعي .. اضغط هنا
