عشرة أعوام لم تكن كافية ليجفّ دم رئيس رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ورفاقه، لكأنّ استمرار هذا الحضور هو الردّ على كل من أراد لهذه الجريمة المتمادية أن تطوى. ففي مثل هذا اليوم قبل عقد، ضرب الإرهاب ضربته واغتال الحريري ورفاقه بتفجير مفخخ في عين المريسة بالعاصمة بيروت، مستهدفاً ضرب استقلال لبنان وحريته، وكاد أن ينجح على ما أظهرت الأيام السوداء التي يعيشها لبنان منذ ذلك اليوم، إذ سقط من أسقط.
وغداة جريمة الاغتيال، ترافقت التداعيات المحلية والإقليمية التي خلّفتها مع تبدّلات في الخارطة السياسية اللبنانية، اتخذ بعضها بعداً إقليمياً، بدءاً من إعلان المعارضة اللبنانية «انتفاضة الاستقلال» حتى الانسحاب السوري من لبنان، ومروراً باستقالة حكومة الراحل عمر كرامي، وإعلان رئيس النظام السوري بشار الأسد في 5 مارس 2005 قراره سحب الجيش السوري من لبنان..
وعودة العماد ميشال عون الى لبنان في 7 مايو من ذلك العام بعد نفي استمر 15 عاماً، ووصولاً الى انتخابات نيابية حصل فيها خصوم سوريا على أغلبية في البرلمان، قبل الإفراج عن زعيم «القوات اللبنانية» سمير جعجع بعد 11 عاماً من السجن.
14 فبراير
وفي 14 فبراير، تحلّ ذكرى ذلك اليوم الذي لا تزال ارتداداته سارية المفعول. دخل لبنان، ومعه العالم العربي، في مرحلة مختلفة تحمل كل سمات الاحتقان المذهبي الذي لا يزال يهدّد بإشعال حريق كبير في المنطقة وتحوير مسار الصراع من وجهته التاريخية نحو إسرائيل إلى داخل كل دولة عربية تنطوي على تنوّع في تركيبتها السكانية. أما داخلياً، فبلغت المخاطر ذروتها على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وسط انقسام حادّ في الرؤى.
وبحسب إجماع مصادر متعدّدة، فإن ما يميز هذا العقد من الزمن أن المحكمة التي أنشئت بعنوان التوصّل إلى حقيقة من اغتالوا الحريري كانت، وما زالت، مدعاة شكوك وهواجس لم تتبدّل. ولعل استعادة الحريري، بحسب المصادر نفسها، تكون بوضع اللبنانيين أنفسهم على سكّة استعادة دولتهم المفقودة وأمنهم المهدّد وبنيانهم الاجتماعي والاقتصادي والمالي الذي يلامس حافة الكارثة الوطنية.
وفي اللوحة الملتهبة للمنطقة، قد تغدو صورة الذكرى العاشرة لاغتيال الحريري مختلفة لبعض المراقبين عما يُحضّر للذكرى، ذلك أن أفضل ما يمكن أن توفّره للبنان الراهن والمقبل هو، بحسب المراقبين، إعادة الاعتبار بالكامل لخط الاعتدال الذي مثله وأطلقه الحريري وتركه إرثاً لتياره.
الى ذلك، تطفئ حكومة تمّام سلام شمعة الذكرى السنوية الأولى لتشكيلها غداّ الأحد، أي غداة إحياء ذكرى مرور العقد الأول على اغتيال الحريري، ما يفتح باباً لتداخل الخلاصات والمواقف والانفعالات أيضاً بين هاتين المحطتين. بطبيعة الحال، ليس هناك أي ترابط بين المناسبتين إلا من زاوية مصادفة الموعدين والتاريخين.
الذكرى والمتغيّرات
وفيما الملفات المتطايرة تملأ الفراغ الرئاسي المستمر منذ 25 مايو 2014، والحياة السياسية متوقفة في لبنان على خطة فرنسية تبيّن أنها تتّكل على جهد لبناني غير متاح للإتيان برئيس للجمهورية، تحلّ الذكرى العاشرة لاغتيال الحريري ورفاقه في شكل مختلف عن الأعوام السابقة، لا في المعنى التنظيمي فحسب، إنما في المعاني السياسية التي اختلف العديد من مشاهدها بين الـ2005 والـ2015.
واليوم، يحيي تيار المستقبل الذكرى في احتفال مختصر في قاعة «البيال» وسط بيروت. وسيقتصر الاحتفال على كلمة واحدة لرئيس التيار النائب سعد الحريري. وأشارت المعلومات إلى أنها ستكون عبر الشاشة على الرغم من تفاؤل بعض قياديّي «المستقبل» بإمكان حضوره شخصياً.
أهمية المضامين
أمّا في المضمون، فإن أهمّيتها تكمن في الآتي:
أوّلاً، كلام الحريري الابن يأتي بعد انطلاق الحوار بين «تيار المستقبل» و«حزب الله»، والذي كانت أولى ترجماته العملية نزع الشعارات الحزبية والدينية من المدن اللبنانية..
وهذه المرة الأولى منذ حوار 2006 التي يُنفّذ فيها ما يتمّ التوافق حوله. وما يميّز الإطلالة المنتظرة عن الحوار هو أنّها ستتطرّق لكل الملفات الخلافية التي تمّ تغييبها عن هذا الحوار من المحكمة الدولية وقتال الحزب في سوريا وصولاً إلى الالتزام بالقرارات الدولية، وفي طليعتها القرار 1701 وعلاقات لبنان العربية.
ثانياً، صعود التطرّف الديني في العالمين العربي والغربي، والحاجة إلى أصوات قياديّة معتدلة تطَمئن الشارع الغربي من «الإسلاموفوبيا» والشارع العربي برجاحة كفّة الاعتدال، ما يجعل من إطلالة الحريري حاجة ماسّة في هذه اللحظة بالذات.
ثالثاً، الفراغ الرئاسي الذي ينعكس سلباً على انتظام عمل المؤسّسات، كما على الدور المسيحي في ظلّ المخاوف المتصلة بما شهدَه العام الماضي من ظلاميّة بحقّ المسيحيين المشرقيّين، والذي سيكون في صلب كلام الحريري الذي سيجدّد موقفه من ضرورة انتخاب رئيس جديد وحرصه على الحضور المسيحي المشرقي.
رابعاً، التصدّي للإرهاب على الحدود وفي الداخل، ودعم الجيش اللبناني ومتابعة الهبة السعودية.
خامساً، إعطاء جرعة دعم للحكومة التي يشكّل التوافق داخلها المظلّة الوطنية لحماية الاستقرار، ومنح الجيش الضوء الأخضر للقيام بمهامّه ومسؤولياته.
سادساً، التأكيد على انتساب لبنان إلى الشرعيتين العربية والدولية، والحرص على عدم تعريض علاقات لبنان مع أيّ دولة عربية أو غربية.
وبهذا المعنى، ستشكّل مناسبة 14 فبراير، بحسب إجماع مصادر متعدّدة، محطة مفصليّة على أكثر من صعيد ومستوى، ولعلّ أبرزها أنّها رافعة للاعتدال في لبنان والخارج، ودعوة إلى السلام اللبناني.
10
اختار المنظمون لمناسبة الذكرى العاشرة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري لهذا العام شعار «عشر مئة ألف سنة مكمّلين»، معتبرين أنه ليس مجرد عنوان للذكرى، لكن من دون توقع حشد استثنائي، سياسياً أو شعبياً، لأسباب عُزي بعضها إلى دوافع أمنية، والبعض الآخر إلى برودة سياسية في علاقات الحلفاء، والبعض الثالث إلى التحضير لذكرى 14 مارس المقبل.
مواقف تمتدح توجهات الراحل
في الذكرى العاشرة لاغتيال رئيس وراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، أشاد عدد من الشخصيات اللبنانية البارزة بالفقيد، مبرزين دوره في حماية الدولة في لبنان، وكونه نموذجاً للاعتدال ضد التطرف.
ووصف رئيس الوزراء تمام سلام، الحريري بأنه كان «قامة لبنانية وعربية كبيرة، طبعت الحياة السياسية في لبنان بطابع استثنائي على مدى سنوات طويلة، وقدمت نموذجاً فذاً في الأداء الاقتصادي والعمل الإنساني والتنموي».
وقال: «ننحني احتراماً لذكرى من كان لبنان شغفه الأول والأخير، فبذل نفسه حتى الرمق الأخير، ليحقق له السلام والأمن والاستقلال، وشكل النموذج المعاكس لكل أشكال التطرف».
وأشار النائب مروان حمادة في حديث إذاعي إلى أن رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري «سيستمر في حرصه على خط والده، وسيعزز معالم الحوار»، لافتاً إلى أنه «إذا لم يقرّر حزب الله التخفيف من غلواه الإيرانية في كل اتجاه، والعودة إلى لبنانيته، فلا أمل لا من هذا الحوار ولا من غيره».
بدوره، رأى سعد الحريري أن لبنان يشعر بفراغ في ذكرى مرور عقد على اغتيال رفيق الحريري، مضيفاً: «بعد مرور عشرة أعوام نرى محاولات متتالية لوقف هذا المشروع، ونحن سنكمل هذا الأمر».
وزار مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ضريح رفيق الحريري وقال:
«علينا الاعتراف بأن الغيوم والعواصف تتلبد في سمائنا وأرضنا وفي لبنان. لقد مدّدنا لمجلس النواب مرتين وتعذّر علينا انتخاب رئيس للجمهورية والمؤسسات تتصدع، وأمن الناس غير مستقر، لكننا لا نيأس، بل يتجدد لدينا العزم على الإنجاز والتشبث بالدولة».
لمشاهدة الجراف بالحجم الطبيعي .. اضغط هنا
