ترسم الصور والمشاهد الواردة من قلب مدينة دوما الواقعة في الغوطة الشرقية من دمشق فصلاً دموياً مؤلماً من فصول النكبة الإنسانية، التي تدار تفاصليها على الأراضي السورية يومياً.
فالغوطة الشرقية، التي لم تشهد هجوم بهذا الحجم الكارثي، غرقت بدماء أبنائها بعد غارات طيران مكثفة من قبل النظام، حيث لا تزال عملية البحث عن الأهالي تحت الأنقاض من قبل فرق الإنقاذ والأهالي مستمرة، بغرض العثور على أحياء وانتشال الجثث التي قطّعتها صواريخ النظام مؤخراً بأربعة صواريخ فراغية تعتبر من النوع المحرم دولياً.
وكان النظام شن مئات الغارات الجوية رداً على قصف «جيش الإسلام» العاصمة دمشق بوابل من صواريخ «كاتيوشيا»، ما أسفر خلال أول خمسة أيام من الشهر الجاري عن مقتل وجرح نحو ألف مواطن سوري، بينما استمرت المواجهات عنيفة في ريف دمشق بين القوات النظامية «وجيش الإسلام»، لترتفع الحصيلة الناتجة جراء الغارات المكثفة إلى نحو 185 مدنيا هم 34 طفلا دون سن الـ 18، إضافة إلى إصابة نحو 800 آخرين بجروح.
مشهد الحرق
وفي رحم هذا الدمار الهائل، صعقت صورة لطفل من دوما احترق واقفاً، حيث أنغرز الحديد في جسده ومنعه من السقوط أو الهرب، لتثير مشاعر كل من وقع نظره على هذا المشهد، حيث قارن الناشط وليد يحيى مدى هول الحادثة المفزعة بتلك التي جرت مع الطيار الأردني معاذ الكساسبة، لكن بطريقة أكثر فظاظة وقساوة ليختزل سيلان مشاعره بقوله: «الطفل الدوماني الذي احترق واقفاً لم يكن داخل قفص، ولم يرتدي اللون البرتقالي، ولم تصوره أي كاميرا. كان جائعاً فقط بحكم العادة لأكثر من خمسة أيام».
"دوما تباد"
وعلى خلفية هذه المجزرة المروعة، أطلق ناشطون هاشتاغ تحت مسمى «دوما تباد»، حيث سلط الضوء من خلاله على القصص الفاجعة التي تعكس المشهد الراهن، فقد كتب الناشط محمد معاذ، وهو من سكان ريف دمشق في معرض انتقاده للصمت الدولي حيال هذه الإبادة: «غرقت دوما وعربين وسقبا وكفربطنا، وقالوا للعالم أجمع إننا نتنفس تحت الدم وفوق الركام».
وشكلت مأساة تهديم المنازل وتحويلها إلى الركام تحت وابل من الصواريخ حماما من الدم، حيث قتل وأصيب كل من كان داخل المباني المستهدفة، ليتجاوز عدد الجرحى مئتي شخص، خاصة أن معظم المصابين كانوا بحاجة لعمليات جراحية دقيقة وعناية مركزة، بحيث تعجز المشافي الميدانية التقليدية عن علاجهم.
ونقل مروان حارث، وهو ناشط شارك في حملة «دوما تباد» تفاصيل هذه الأجواء المفجعة بقوله: «قصفت أكبر مشافيها ومراكز إسعافها وأصيب خيرة أطبائها وأنهك الباقون وهم يسعون لإحياء الأنفس وعين السائق تخشى من نفاد المحروقات، وترنو إلى العداد ليحسب عدد المصابين الذين مازال يستطيع نقلهم قبل أن ينزل ليكمل عمله على الأقدام»، في حين كان محمد أبو نزار يستحضر مأساة غياب الطقوس والمراسيم المفروضة على أرواح القتلى والمصابين في سوريا بجملة مقتضبة، تصويراً لما يجري الآن في دوما :« هنالك، حيث الموت بصمت، بلا نعي ولا رثاء، فلا وقت لذلك».
تأييد
تتالت مواقف مستفزة وحادة من موالي النظام السوري فرحةً بالهجوم الجوي ضد أهالي دوما، ما ترك آثاراً سلبية على نفوس مناصري المعارضة لجهة انهيار روابط التلاحم الاجتماعي. ودونت هيام حداد، وهي ناشطة مدنية تعيش في دمشق، قائلة: هذا القتل وهذه الإبادة. وهذه الشماتة والتشفي من قبل شركاء الوطن جعلت الوطن مستحيلاً، فدوما القشة التي قصمت ظهر الوطن.
