عانت المنظومة التعليمية في مصر على مدار سنوات عديدة من فساد وإهمال على غرار باقي مؤسسات الدولة، لتظهر على السطح مشكلات أخرى في تلك المنظومة خلال أربع سنوات هي عمر الفترة التي تشهد فيها مصر اضطرابات على الساحة السياسية، منذ ثورة 25 يناير 2011، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الحركة التعليمية والثقافية في مصر.
كانت الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر عقب ثورة يناير أثرت سلبًا على عدد من مناحي الحياة، ولكن بالتحديد على مستوى قطاع التعليم، فإن هناك عددًا من النقاط التي فرضتها الأوضاع الجديدة، حيث إن تلك الاضطرابات أدت إلى تغيرات اقتصادية، وهو ما زاد من نسبة المتسربين من التعليم، واضطرت بعض الأسر إلى دفع أبنائهم الطلبة إلى سوق العمل، وهو الأمر الذي سيوجد بدوره جيلاً فيه نسبة كبيرة من المتسربين والأميين، في الوقت الذي كانت تسعى فيه الحكومة لإنهاء نسبة الأمية في المجتمع.
تسييس الجامعات
إلى جانب شبح ارتفاع نسبة الأمية في المجتمع، فإن الاضطرابات التي شهدتها الساحة السياسية امتدت لتصل للجامعات التي أصبحت طرفًا في الصراع السياسي الدائر، والتي شهدت هي الأخرى موجة من الاضطرابات والاحتجاجات التي أسفرت عن سقوط ضحايا من الطلبة، ووقوع عدد آخر في يد القبضة الأمنية، كمعتقلين وسجناء.
كما كان المعلمون طرفًا في تلك التغيرات التي طرأت على المنظومة التعليمية، حيث فئة المعلمين التي تعاني من قلة الأجور، وفي ظل تلك الهجمة الاقتصادية الشرسة التي واجهت مصر خلال الأربع سنوات الماضية، اضطر المعلمون إلى البحث عن مورد آخر، فكان الاهتمام بـ«الدروس الخصوصية» التي أثرت على الاهتمام بما يتم تقديمه داخل الفصول الدراسية، مما ساهم في تلك الأمية المقنعة التي يعاني من عدد كبير من الطلبة داخل المدارس.
تأثير سلبي
من جانبه، أوضح الخبير التربوي الدكتور حسني السيد، في تصريح لـ«البيان» أن أي عدم استقرار بالدولة يكون ذو تأثير سلبي على الحركة التعليمية وفي تكوين الجيل الجديد من الطلبة.
وأضاف السيد أن المنظومة التعليمية في مصر تأثرت على مدار أكثر من ثلاثة عقود من الفساد المؤسسي وقلة الإمكانيات وعدم وجود رؤية واضحة وحديثة، وهو ما أدى لتخريج منتج تعليمي رديء، كما ساهمت الظروف المعيشية والاقتصادية وانتشار البطالة في إحباط الطلبة وعدم الرغبة في استكمال المسيرة التعليمية خوفًا من مستقبل متوقع بالبطالة.
توقف العملية التعليمية
وعلى غرار ذلك، يقول السيد إن الاضطرابات التي تمر بها مصر، تؤثر على الجيل الطلابي الذي لم يجد جديدًا، فلاتزال الدولة لديها من الأولويات ما هو أهم من التعليم، لاسيّما أن الدول الأجنبية تختلف عن العالم العربي، إذ لا يوجد ما هو أهم من التعليم والبحث العلمي مهما كانت الظروف السياسية، فعلى سبيل المثال لم يتوقف البحث العلمي في ألمانيا الغربية ساعة واحدة خلال الحرب العالمية الثانية..
بينما أصيب العالم العربي بالشلل في مؤسساته بما فيها التعليمية مع أزماتهم الاقتصادية ناهيك عن التأثيرات الاجتماعية التي طرأت على هؤلاء الطلاب خلال هذه السنوات.
وعلى الرغم من أن مصر لم تكن من الدول التي شهدت اضطرابات سياسية تصل لدرجة العاصفة، وعودتها للاستقرار سريعًا، إلا أن المنظومة التعليمية لها طبيعة حساسة تجاه المؤثرات السياسية والأمنية، حيث تسببت تلك الاضطرابات في تأجيل الدراسة أكثر من مرة في عدد من المرات..
وهو ما أكده الخبير التربوي رؤوف عزمي توفيق في تصريح لـ«البيان» قائلًا: إن المنظومة التعليمية تتأثر بالسياسة والعكس صحيح، حيث أكد أن هناك فترات عدم استقرار مرت على الدولة أسفرت على غلق المؤسسات التعليمية لأبوابها، واختزال العام الدراسي.
تفشي التطرف
فيما ربط البعض بين غياب الدور الثقافي للمدارس في تفشي الأفكار المتطرفة التكفيرية في المجتمع خلال هذه السنوات، حيث إن الحياة الثقافية في مصر غاب عنها عدد من المبادئ التي كانت عماد تماسك واستقرار المجتمع..
حيث أشارت الكاتبة الصحافية، فريدة الشوباشي، في تصريح لـ«البيان» أنه خلال فترة الاضطرابات السياسية بدأت تتضح الأفكار التي دخلت المجتمع المصري منذ منتصف السبعينيات، ولم يتم مواجهتها خلال كل هذه السنوات من خلال المؤسسات المعنية بذلك ومنها المؤسسة التعليمية.
ومع قيام ثورة 25 يناير وحدوث اضطرابات على الساحة السياسية، وما صاحبها من تردي في الوضع الاجتماعي، كان من السهل أن يتم استقطاب الشباب وصغار السن لتلك الأفكار التكفيرية المتطرفة والتي يعاني المجتمع من أثارها في الوقت الحالي، من ازدياد العمليات الإرهابية، والتكفير والإقصاء الذي أدى بدوره لحالة التفتيت في المجتمع.
تغيرات اجتماعية
أشارت مستشارة الرئيس السابق والكاتبة الصحافية، سكينة فؤاد، إلى أن هناك عددًا من الانعكاسات التي طرأت على المجتمع المصري عقب ثورة يناير وحتى الآن، حيث أصابت الثورة المجتمع بالزلزال، وقبل أن تلتقط الدولة أنفاسها حتى تتفرغ للبناء، واجهت الدولة زلزالاً آخر متمثلاً في حكم الإخوان الذين حاولوا ترسيخ مبادئ بعيدة عن الدين الصحيح، وعن ثقافة المصريين، وهو ما استدعى مواجهة أخرى لاستعادة المجتمع المصري الذي حاولوا طمس معالمه.
الإرهاب يلقي بظلال كئيبة على العملية التعليمية في سيناء
تعيش سيناء على مدار فترة طويلة حالة من القلق الدائم ما بين العمليات الإرهابية التي تستهدف رجال الشرطة والجيش وأهالي المنطقة من ناحية وآخرها حادث العريش الذي راح ضحيته نحو 30 شهيدًا وقرابة 60 مصابًا من العسكريين والمدنيين، وبين العمليات الأمنية التي يقوم بها الجيش المصري من ناحية أخرى من أجل تطهير المنطقة من العناصر التكفيرية والخطر الإرهابي المتواجد بها.
وبين هذا وذاك يظل العام الدراسي والتعليم هو علامة استفهام أمام جميع التحديات التي تواجه سيناء، خاصة في ظل مما يتردد عن تأجيل أو وقف الدراسة بها لحين استقرار الأوضاع الأمنية وكذلك تراجع الأهالي عن إرسال أبنائهم للمدارس والجامعات، خوفًا من تعرضهم لعمليات إرهابية تتزايد وتيرتها في سيناء.
يُشار إلى أنه تعرض بالفعل عدد من المدرسين في سيناء لعدد من الإصابات خلال الأحداث الأخيرة، حيث تعرض محمود فتحي (30 عامًا) للإصابة بطلق ناري بالبطن بالقرب من مدرسته بمدينة رفح، كما أصيب مدرس آخر بالقرب من كمين الريسة الأمني بمدينة العريش، ما دعا الكثير من المعلمين إلى الاحتجاج على بدء الدراسة في موعدها لما قد تعرض حياتهم وحياة الطلاب للخطر أثناء الذهاب والعودة من المدرسة.
وقال المدرس في أحد المعاهد الأزهرية في محافظة شمال سيناء جهاد عبد الرؤوف حامد، لـ«البيان» إن حياة جميع المواطنين في سيناء مهددة بالخطر وليس فقط حياة المعلمين أو الطلاب، خاصة هؤلاء المقيمين في أماكن متطرفة وقريبة من الحدود..
مؤكدًا أن الجيش وقوات الشرطة تقوم بواجبها على أكمل وجه في تأمين الشوارع وحماية المواطنين، إلا أن هذا لا يمنع أن الخطر يواجههم من كل مكان، خاصة أن الإرهابيين دائمًا ما يأتون في غيبة من الأمن وقوات التأمين.
تأجيل الدراسة
وحول إصرار الحكومة على استكمال الدراسة في سيناء، يرى عبد الرؤوف أنه ليس هناك خطر في منطقة محافظة شمال سيناء، إلا أن الخطر الحقيقي يهدد منطقة الشيخ زويد حتى مدينة رفح والحدود، فلابد من تأجيل الدراسة هناك لأنها تشكل تهديدًا لحياة كل المواطنين؛ خاصة مع التفجيرات التي تتعرض لها الأكمنة بشكل مستمر، مشيرًا أنه ليس هناك إصابات في المعهد الأزهري الذي ينتمي إليه، سواء بين الطلاب أو المعلمين.
أما الشيخ حسن عتيق من قبيلة الرميلات في رفح، فأكد أن الوضع في المدينة استقر بشكل كبير، فهناك استنفار أمني كبير في سيناء وتكثيف لتواجد قوات الجيش والأمن لتأمين كل المناطق ولكن هذا لا يمنع أن المواطنين مازالوا خائفين لتهديد الإرهاب لحياتهم في أي ثانية.
وأضاف عتيق أن هناك بعض المناطق التي تشكل خطرًا بالفعل على التلاميذ والمعلمين؛ خاصة في رفح والقرب مع الحدود الإسرائيلية، ولكن بشكل عام الأوضاع مستقرة وبالتالي لا داعي للدعوات التي تنادي بتأجيل الدراسة.
تحدي الإرهاب
بدوره، أكد مدير مديرية التربية والتعليم بمحافظة شمال سيناء حسن حجازي، أن أحداث العنف والإرهاب التي تشهدها سيناء لن تؤثر على وضع الدراسة، مؤكدًا أنه لا تأجيل للدراسة، لرغبة أهالي سيناء في إرسال رسالة بأن الإرهاب لن ينتصر عليهم، وأنهم بانتظام العملية التعليمية يؤكدون وقوفهم مع جيشهم في التصدي للإرهاب.
وأوضح حجازي أن المدارس كانت بعيدة عن أحداث الشغب والعنف التي شهدتها المحافظة الأيام الماضية، وأن التلفيات التي طالت بعض المدارس قليلة جدًا وتم إصلاحها على الفور، مؤكدًا أن العملية التعليمية ستنتظم خلال نصف السنة الدراسي الثاني الذي بدأ في السابع من فبراير الجاري.
