استقبلت فرنسا منذ اندلاع الثورة السورية في 2011 نحو ثلاثة آلاف لاجئ سوري، معظمهم هرب من ويلات الحرب نحو القارة العجوز (أوروبا)، التي رغم عجزها لا يزال يحج إليها يومياً آلاف المهاجرين غير الشرعيين من العرب، الباحثين عن حياة أفضل.
ولغاية الوصول إلى أوروبا، وبالضبط فرنسا، يأخذ اللاجئون تذكرة سفر بلا عودة في رحلة تستأنس فيها الحياة بالموت، وتكون فيها «الجنة» على بعد أمتار قليلة من الجحيم.
ركبوا أمواج الموت من بلد نحو آخر لأنهم كانوا يحلمون يوماً بشراع الحياة، ليصطدموا في الأخير بواقع قاس في بلاد الغربة، يتوجب عليهم التعايش معه، والتعامل مع أزمات أخرى علهم لم يحسبوا لها يوماً حساباً، للكبير منهم كما الصغير وهي شبح الأمية، شبح يبقى ينهش في أجسادهم المثقلة من ويلات الحرب والترحال طيلة سنوات.
مطارد ومشرد
أبو نضال، واحد من هؤلاء اللاجئين السوريين الذين تركوا ديارهم ليحتموا بديار الغربة رغم قساوتها، هرب من مدينة حمص في 2011 بعد أشهر قليلة من بداية الحرب. في «حياة أخرى» سابقة لا يزال يحتفظ ببعض ذكرياتها الجميلة، كان أبو نضال يمتلك بيتاً صغيراً في سوريا ويدرس في جامعة دمشق. اليوم هو بفرنسا بعد أربع سنوات من الترحال والمطاردات البوليسية بين تركيا فاليونان، مروراً بألمانيا وإيطاليا.
يبيع أبو نضال الخضار في سوق بارباس الشعبي بالدائرة الباريسية الـ19، سوق يرتاد عليه العرب من جميع الجنسيات، في انتظار رد السلطات الفرنسية عن طلب اللجوء الذي تقدم به منذ أربعة أشهر. بوجه خجول، بالكاد يرد أبو نضال الكلام على الزبائن الفرنسيين القلائل الذين يرتادون على هذه السوق كل أربعاء وسبت..
فاللغة الفرنسية لا يجيدها على الرغم من مستواه الجامعي كما هو الحال بالنسبة للكثير من أبناء بلده اللاجئين بفرنسا حيث يقول: «وأنا شاب كنت أحلم بمستقبل آخر، لا صورة فيه تشبه صور الحاضر التعيس الذي أعيشه، هنالك كان لي بيت، كنت على وشك الزواج بعد أشهر قليلة من حصولي على شهادة التخرج الجامعية..
وأنا اليوم أبيع الفواكه والخضار وأخجل لأنني أجد نفسي عاجزاً حتى على الكلام إذا كلمني أحدهم باللغة الفرنسية رغم بعض الدروس التي آخذها مجاناً في كنيسة الدائرة».
ويضيف: «على الرغم من مستواي الجامعي وإتقاني للغة الانجليزية إلا أن الحرب التي هجرتني من بلادي ورمتني في أحضان بلد لا أعرف لغته ولا تقاليده جعلتني متشرد طرقات وأمياً».
في الوقت الراهن لا يفكر أبو نضال بالعودة إلى مقاعد الدراسة، لأن الأولوية بالنسبة له هي «ضمان وثائق الإقامة ولقمة العيش، أما الدراسة والجامعة فقد ذهبت مع ذلك الماضي الجميل الذي تركناه وراءنا في سوريا».
إنقاذ الأطفال
جمعية «سوريا حرية» هي واحدة من الجمعيات النشطة بفرنسا في مساعدة اللاجئين وخصوصاً السوريين منهم، إعاناتها وخدماتها تصل اللاجئين حتى في لبنان والأردن وتركيا، تأسست في مايو 2011 بهدف دعم الثورة السورية وإسماع صوت السوريين للمجتمع المدني الفرنسي، غير أنها تصر على استقلالية تمويلها وعدم تبعيتها لأي حزب أو تيار سياسي فرنسي. وتقديم الدعم التربوي والتعليمي للاجئين، جعلته من أولى أولوياتها خاصة بالنسبة للأطفال لأنه كما تقول العضوة في الجمعية، سمر دياب:
«التعليم يخرج الأطفال من دوامة الحرب التي عاشوا فيها طويلاً، فهذه الحرب دمرت براءتهم وشغفهم بالحياة، لذلك نحرص منذ 2011 على تقديم مساعدة نفسية لهم بفضل أساتذة ومختصين نفسانيين وتدعيم ذلك بمساعدة تربوية نقدم من خلالها لهم دروساً في القراءة واللغة العربية، الحساب، واللغة الانجليزية».
وتضيف سمر: «يوجد اليوم خمسة ملايين مهجر سوري غالبيتهم في لبنان وتركيا والأردن، 450 ألفاً منهم هم أطفال، الأمية منتشرة لديهم بشكل كارثي، فالأطفال الذين هجروا بلدهم وكان عمرهم ثلاث سنوات اليوم عمرهم سبع سنوات لا يعرفون القراءة ولا الكتابة».
تعتمد الجمعية لتقديم الدروس للأطفال المقسمين إلى صفين في المخيمات (من السادسة إلى التاسعة ومن التاسعة إلى الـ12) على يد أساتذة سوريين لأنهم يتحدثون نفس لغتهم ولهجتهم وبذلك فالأطفال يكونون منفتحين أكثر معهم وأكثر قابلية للتعلم كذلك.
وبالنسبة لسمر دياب يبقى التعليم الطريقة الوحيدة التي ينسى فيها الأطفال ما يعيشونه والحرب التي تركوها وراءهم، وهم على كراسي الدراسة تعود إليهم تلك الابتسامة البريئة التي سرقتها منهم الحرب وغيبها عن وجوهم الفقر والحرمان.
آثار التهجير القسري
يعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي أن الهجرة القسرية في ظروف الحرب كما هو حال اللاجئين السوريين تنتج حتماً العديد من المشاكل من بينها الانقطاع عن التدريس بالنسبة للأطفال..
الأمر الذي قد يدوم مع حالة الاضطراب علماً بأن مختلف البلدان التي عرفت اضطرابات سياسية وحروب أهلية لم تنطلق من نفس الوضع فوضع التعليم عموماً كان أحسن في العراق وسوريا وحتى ليبيا مقارنة مع اليمن أو الصومال أو السودان. كما يمكن أن نقول ان ظاهرة الأمية لدى الأطفال جديدة في المجتمعين العراقي والسوري وستترك آثاراً سلبية كبيرة بالنسبة لجيل على الأقل.
ويستشهد ناصر جابي بوضع المهاجرين السوريين في الجزائر حيث يقول: «نحن أمام فئتين، فئة ميسورة لا تشكو من مشكلة مواصلة التعليم استطاعت أن تدخل جميع أبنائها أحسن المدارس بما فيها المدارس الخاصة، وفئة فقيرة وهي الأوسع عدداً، فظروف إقامتها لا تسمح لها بتعليم أبنائها نظراً لحالتها الاجتماعية المتدهورة ففي الغالب هي تعيش في مناطق سكنية هشة لا يسمح لها بحياة عادية..
وضعها الاقتصادي وقلة مواردها إذن هي السبب الرئيسي لهذا الانقطاع عن الدراسة الذي قد يطول إذا طالت أزمة سوريا الأمنية». علماً بأن السلطات الجزائرية حاولت أن تسكن هؤلاء المهاجرين في تجمعات تتوفر الحد الأدنى من الشروط من بينها إمكانية الاستفادة من التعليم لكن في الغالب العائلات السورية رفضت الإقامة فيها لأنها لا تسمح لها بالحصول على دخل وقررت الاندماج في المجتمع حتى وإن كانت ظروف الإقامة فيه صعبة إلا أن ترفض التجمعات التي تعزلها وتقطع صلاتها بالمجتمع الجزائري.
