الحرب المدمرة التي تجتاح سوريا منذ قرابة أربعة أعوام، كانت تفرض ظلالها الكارثية على جميع القطاعات الحيوية من دون استثناء، واحتلت العملية التعلمية التي تشكل عصب الحياة المعاصرة واحدة من بين أكثر التأثيرات على حياة الأطفال، بحيث تركت جيلاً بأكمله عُرضة للضياع والأمية المزمنة.

ووفقاً لأحدث إحصاء نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) فإن نحو ثلاثة ملايين طفل نزحوا داخل سوريا، من بينهم مليون طفل باتوا خارج المدارس، إضافة إلى نحو مليون طفل مهدد بالتسرب من المدارس بسبب انعدام الأمن، و255 ألف طفل داخل سوريا يحصلون على تعليم غير رسمي، و50 ألف طفل يتلقون دعماً نفسياً.

وتشير تلك التقارير إلى أن هناك ما لا يقل عن 68 حالة اعتداء على المدارس في جميع أنحاء سوريا، وذكرت دراسة سورية محلية في هذا السياق، أن واحدة من بين كل خمس مدارس في سوريا أصبحت غير صالحة للاستخدام، إما لأنها تعرضت للضرر وإما التدمير أو أصبحت ملجأ للنازحين داخلياً، في حين أن ما بين 500 ألف و600 ألف طفل سوري لا يتابعون دراستهم في البلدان، التي تستضيف اللاجئين السوريين.

وأشارت إلى أن المناطق الأكثر تضرراً لجهة التعليم هي تلك التي تشهد أشد المعارك، كالرقة وإدلب وحلب ودير الزور وحماة ودرعا وريف دمشق، حيث انخفضت معدلات الحضور في المدارس في بعض هذه المناطق لتبلغ ستة في المئة، فيما اضطر 670 ألف طالب مؤخراً إلى ترك تعليمهم في مدينتي الرقة، ودير الزور، وبعض مناطق حلب الواقعة تحت سيطرة «داعش».

مرتع الأمية

وحملت هذه الخسائر المادية والمعنوية معها نتائج بات معظم الطلاب منقطعين عن التعليم، وهم لاجئون إلى مجالات حياتية أخرى لا تغني عن تأخرهم دقيقة واحدة في تحصيلهم العلمي، فبات للأمية في معظم المناطق مرتع واسع ضارباً أنيابه في عقول أبنائنا، كما يقول حامد وهو مدرس سوري يعيش في مدينة حلب السورية..

ويضيف: «الزمن كفيل بأن يكشف عن الأضرار التدميرية الناجمة في هذا المجال الحيوي، حيث لجأ معظم الشباب إلى ترك دراستهم والاتجاه لحمل السلاح والانخراط في التشكيلات العسكرية، سواء من مناصري النظام أو المعارضة بكل تكويناتها المتشددة والمعتدلة..

أو اللجوء إلى العمل في أي مكان لعدم القدرة على إكمال التعليم، إلى أن باتت الأمية التي فاخرت سوريا في العقود الأخيرة بالتخلص منها بشكل شبه نهائي، لتعود وتدق الباب بشكل أقوى وأفظع».

وسبق أن أشارت خبيرة شؤون القطاع العام في الشرق الأوسط شيلي كلبرتسون في تصريحات إعلامية إلى أن نصف أطفال المخيمات السورية على الأقل لا يتلقون تعليماً، وإن هؤلاء الأطفال كانوا سيحصلون على أقل معدل تعليمي عالمي إذا ما كانوا يعيشون في دولة ما.

أدلجة العقول

لكن الأمر لا يتوقف عند هيمنة الأمية على جيل كامل بسبب انهيار المؤسسات التعليمية، بل إن العاقبة الوخيمة التي تنتظر مستقبل البلاد الغارق في أتون الحرب الأهلية الدائرة، تكمن في أدلجة عقول الأطفال، الذين يقصدون المراحل الابتدائية والإعدادية، جراء انتشار المناهج المتطرفة الناجمة من الاستقطاب العسكري والجهوي والطائفي السائد..

فالنظام السوري الذي يفرض رقابة أمنية فولاذية على السلك التعليمي، بدأ يستعين مجدداً بظواهر كانت في طور التلاشي قبل الأزمة، مثل تلقين أهازيج «تمجيد القائد» لطلاب المرحلة الدراسية الأولى في بعض المناهج، فضلاً عن تحريض الخطاب العسكري المناهض ضد التكتلات المعارضة تحت أوصاف «الخونة والتكفيريين»..

حيث أصبح نظام التعليم في المناطق الخاضعة لهيمنة النظام أكثر تشدداً من ذي قبل وفق العديد من الشهادات، لا سيما من جهة فرض وجهة نظره الرجعية على النظام التعليمي، كإجبار الطلاب على أخذ مقررات دراسية إجبارية كمادة «الثقافة القومية العربية» التي تتحدث بشكل رئيسي عن فكر البعث الأحادي..

وبشكل خاص عن مآثر القائد وعظمته وإنجازاته التي لا تنتهي. وقد يكون شعار: الأسد أو نحرق البلد، وجد طريقه إلى الصفوف الدراسية بمساندة المدرسين الموالين للنظام.

«داعش» و«النصرة»

وتزداد الصورة قتامة في الجهة المقابلة، حيث تعرضت المدارس الموجودة في مناطق سيطرة المجموعات المسلحة مثل «داعش» و«جبهة النصرة» للتدمير والتخريب، أو تم السيطرة عليها لتدريس الفقه والشريعة وفقاً لتفسير هذه المجموعات للإسلام ..

كما يحصل في مدينة الرقة ودير الزور وريف حلب وإدلب والغوطة الشرقية، وأفاد ناشطون ميدانيون أن الهدف من ذلك هو «تعبئة رؤوس الأطفال بتعاليم مغلوطة عن الإسلام ونشر الجهل لخلق جيل جديد من الإرهابيين يسيء إلى سوريا والمنطقة ككل».

ويؤكد الأستاذ المتقاعد في مدينة الرقة، محمود الأمين، أن معظم مدارس محافظة الرقة مدمرة ومخربة وغير صالحة إطلاقاً للاستخدام، فضلاً عن منع المدرسين الأساسيين من ممارسة التعليم ما لم يخضعوا لدورات تدريبية في علوم الشريعة بحسب تعاليم داعش والموافق عليها من الهيئات الشرعية التابعة للتنظيم.

85 %

لا يبدو أن المشهد في مخيمات اللاجئين أو خارجها في البلدان المجاورة، أحسن حالاً ولو أن الصورة الأولية لا توحي بذلك، خاصة مع سيطرة بعض الجهات الخارجية والسورية معاً على تمويل المشاريع التعليمية، التي تحمل صبغة أيديولوجية تنطوي على الإقصاء للآخر المختلف.

وأوضح عدد من الناشطين السوريين أن «نحو 85 في المئة من المدارس السورية في تركيا هي مدارس ذات توجه ديني»، تلقن الطفل أفكاراً تدعو إلى «الجهاد»، وتُكفر الجميع ما عدا «الفرقة الناجية»، وتفرض الحجاب على البنات منذ سن التاسعة.