لا يبلغ الـ14 من عمره ويحمل رأساً مقطوعاً ويهزه فرحاً. الرأس لكهل ملتحٍ في الـ50 من عمره. أما الطفل فيرتدي بزّة مقاتل، ويعتمر عمامة، والأهم أنه يداعب بأصابعه زناد بندقية، فهو يحملها ويلوح بها، تماماً كوالده الذي كان فخوراً به وهو يمسك رأس «مرتد» على حد زعمهم.
مشهد هزّ الكثير ممن شاهدوه على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه تكرر مرات ومرات. ليست غرابة المشهد في حدوثه وحسب، بل وفي تصويره أيضاً، والتفاخر به في عملية إرهاب جماعية.
ما يفترض أن تكون عليه أمور هذا الطفل هو أن يجلس على مقاعد الدراسة، وأن يكون صاحب الرأس معلمه، وأن يزور والد الطفل ابنه في المدرسة ليطمئن على ما يفعل فلذة كبده في المدرسة. هذا لا يحدث. ما يحدث أن طفلا يتعلم أن يفكّ خط أميّة التوحش، يدفع جماعيا من والده وجماعته على عملية استخراج للتوحش الانساني من أعماقه، وتدريبه على كتيب الموت، وأسفار قطع الرؤوس.
سؤال النجاة
عندما كان أطفال اللاجئين السوريين يدخلون الى المدن الأردنية بعد اختبار لتجارب دموية من حالات القتل في المدن السورية لم تكن المشاهد والأصوات التي كانوا يسمعونها في سوريا لتتركهم وشأنهم. كانت مجرد حفلة زفاف أردنية يطلق فيها المحتفلون المفرقعات النارية كافية لتستدعي كل الذكريات الأليمة التي عرفها هؤلاء الأطفال في بلادهم. لكن هل نجو وقد باتوا في مأمن؟.
الإجابة على السؤال هي بالنفي. لا لم ينج هؤلاء الاطفال، بل إن ما استقبلوه هو مظاهر رمتهم في بطن وحش الأمية والجهل (ما يمكن تسميته بالأمية الأخلاقية)، وهو ما سيعني تحويلهم بسهولة إلى فرائس سهلة لبيئات متشددة ستقول لهم نحن قادرون على الأخذ بثأركم وثأر آبائكم.
إن خزان الاضطرابات التي تشهدها دول في المنطقة انتهت بنتائج كارثية على كتابٍ هجر المنطقة، واستبدل بمتفجرات، والغرف الصفية وساحات اللعب بميادين قتال، والقلم بالبندقية.
تأسيس الأمية
أربع سنوات ذهبت مع غبار المعارك، من التعليم في مختلف المراحل، هي عمر الثورة السورية. اليوم يجري تأسيس مجتمع أمّي في سوريا، سيكون خزاناً خصباً للإرهاب والحركات الخارجة على القانون.
الخبير في شؤون حركات التيار السلفي الجهادي أسامة شحادة قال في تصريح لـ«البيان»: «إن التنظيم يتبنى موقفا متشددا في نظرته الى الدين، مشيرا الى ان التنظيم سبق وأحرق مناهج التربية الإسلامية المقررة لطلبة المدارس والموجودة في مستودعات مديرية تربية نينوى».
وأضاف شحادة أن «الإرهابيين يرون أن هذه المناهج لا تنسجم مع أفكارهم المتطرفة والشاذة عن مبادئ وتعاليم الدين الإسلامي التي تدعو إلى الأخلاق والقيم الفاضلة والحميدة، ويريدون تربية الأجيال بالفكر المتطرف الذي يؤمنون به».
واعتبر الخبير في شؤون حركات التيار السلفي ان الإرهابيين «يعادون أي فكر ديني لا يتوافق مع فكرهم ويستبيحون دماء المسلمين الرافضين لتيار الفكري الذي يتبنونه، من دون النظر الى الاختلافات الفقهية اضافة الى الرحمة بين المسلمين».
وتابع أن «أي كتب مدرسية لا تتوافق مع ما تؤمن به تلك العصابات الارهابية وتخالف رؤيتها وعقيدتها سيكون مصيرها الحرق»، مشيرا الى ان «حرق الكتب مجرد رمز بسيط لما تفعله داعش الارهابية للإنسان قبل الكتب».
وأكد على وجود مخاطر جسيمة جراء تغذية داعش للفتيان والشباب على مفاهيم وأفكار دينية متشددة، داعيا الى اهمية التصدي لتلك المحاولات وسرعة تطهير المناطق من دنس الإرهابيين.
إرهاب عن بعد
ما يدعو إلى القلق ليس فقط في الآليات التي تربي بها داعش الاطفال الذين يعيشون في المناطق التي توجد فيها، بل في ما يقدمه هذا التنظيم الإرهابي من جرعات عنف غير مسبوقة عالميا على اطفال المسلمين والعرب عامة، وهم يرون ويسمعون ويعيشون الوسائل التي تقدمها داعش عن نفسها..
وهي وسائل تجتذب بعض البشر المؤهلين وفق ظروف معينة للعنف، ومحاكاة ما يفعله «داعش». إن ما يقدمه «داعش» في التسجيلات التي يضعها على الشبكة العنكبوتية إنما هو «تعليم إرهابي عن بعد» يفرض به نظامه اللانساني، والذي يجذب البعض، ومن هنا تأتي الخطورة.
المحاربة فكرياً
بدأت المملكة الأردنية مبكرا في محاربة الفكر الارهابي لـ«داعش» تربويا وذلك عبر مخاطبة جيل شبابها. ودأبت وزارة التربية والتعليم في الأردن على توزيع كُتيب على طلبة الثانوية العامة يُفند ادعاءات وافتراءات «داعش» الإرهابية، الذي جاء تحت عنوان: «رسالة مفتوحة الى ابراهيم عواد البدري «ابو بكر البغدادي» وجميع المقاتلين والمنتمين الى داعش».
وتأتي هذه الخطوة تحصينا من الدولة الأردنية لشبابها في المجتمع الذين يعتبرون أغلبية فيه، بحيث عمل الكتيب على تفنيد الممارسات الإرهابية الذي يمارسه «داعش» من قتل وتعذيب وفتاوى غير شرعية لا تستند الى تفسير صحيح للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة.
وأكدت وزارة التربية والتعليم على لسان أمينها العام الدكتور محمد العكور ان هذا العمل التوعوي يهدف الى محاربة الفكر المتطرف والغلو بالدين، والتأكيد على القيم الاسلامية، ونبذ العنف للطلبة المقدمين على المرحلة الجامعية، مؤكداً ان الكتيب وزع للمطالعة وغير مطلوب كمقرر في اي امتحان مدرسي او وزاري.
وقال إن الوزارة تؤمن بقدرة جيل الشباب على ما يدور حولهم من أحداث جسام، والتأكيد على نبذ العنف والتطرف في مختلف مناحي الحياة عبر مؤسسة دينية وطنية مختصة بالشأن الإسلامي. وحمل الكتيب الذي أعدته مؤسسة «آل البيت الملكية للفكر الإسلامي» توقيع 126 عالماً اسلامياً. وحوى ملخصات لردود فقهية وردت على ما ينشره «داعش» من فتاوى، أو ينقل عنهم.
مخاطبة البغدادي
ويخاطب الكتيب ما يسمى بأبي بكر البغدادي وتحديدا في يوليو الماضي، مؤكدا رفض جواز الاستسهال في الأمور الشرعية، وعدم جواز قتل النفس البريئة، وقتل السفراء والصحافيين، وتكفير الناس الا من صرح بالكفر. كما حوى الكتيب فتاوى بعدم جواز إصدار الفتاوى الدينية إلا بعد استكمال الشخص المفتي لشروط الاجتهاد المنصوص عليها في كتب الاصول.
عصابة خاطفة
يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي في تصريح لـ«البيان»، ان «الهدف الذي يسعى داعش الى فرضه على الأمة هو قفصه الإجرامي الذي لا يعبر عن حالة انفصام عن الواقع فقط بل ويكيد للأمة، ويريد منها أن تغرق في براثن العذاب المجاني». وأضاف: «لا يمكن للأمة ان تنساق وراء إجرام داعش، الذي يعبر عن نفسه بصيغة عصابة تسعى الى اختطاف الإسلام».
هذا ما فعله تنظيم القاعدة عندما نفذ عملياته في واشنطن ونيويورك في عمليات غيرت وجه المنطقة. وهذا ما يسعى الى فعله داعش في احداث تعمل اليوم على وضع الأمة كلها في فوهة الموت.
