يترقّب متابعو الشأن الليبي الجولة الجديدة من الحوار بين الفرقاء الليبيين بعد جولتي جنيف التمهيدية وطرابلس الاستكشافية، لأن الجولة المقبلة التي يفترض أن تنطلق الأسبوع المقبل ستكون الجولة التفاوضية الفعلية، بعدما اتفق على المحاور والقضايا الرئيسية.
الحوار في الجلستين السابقتين تناول قضايا أساسية، منها التوافق على حكومة وحدة وطنية، ووضع ترتيبات أمنية لإنهاء حالة الاقتتال، وإنهاء الحصار عن بعض المدن. ومع أنّ المشاركين وصفوا أجواء الحوار بـ«الإيجابية» و«البناءة» إلاّ أنّ الواقع يؤكد أنّ المسافة شاسعة وأنّ التوافق يحتاج الكثير من الوقت. في وقت يطرح غياب بعض الأطراف الفاعلة في الصراع الليبي الكثير من الأسئلة.
في المقابل، هناك حقيقة واحدة هي أنّ هذه المفاوضات قد تكون آخر فرصة للتوصل إلى تسوية سياسية لهذا الصراع الذي «استهلك» مبعوثيْن أمميّيْن ويخشى المجتمع الدولي أن تمتد شظايا الفوضى الذي يعيشها هذا البلد إلى الجوار بل إلى عموم الشرق الأوسط وحتى أوروبا. ولهذا راجت تقارير عن ضغط عدد من الدول الغربية الفاعلة على المبعوث الأممي برناردينو ليون وعلى الأطراف الليبية المتفاوضة، وعلى تلك الغائبة عن الحوار، للتوافق في أقرب الآجال على حكومة تنهي تشرذم البلاد إلى حكومتين.
وهنا، يحذّر البعض من أنّ الضغط الغربي على المتحاورين سيفرز حكومة محاصصة كجزء من اتفاق يستنسخ نموذج اتفاق الطائف اللبناني.. وهو ما ترى فيه أطراف ليبية «إذكاء للحرب».
وفي العموم، إنّ جهود الوساطة التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، خطوة كبيرة في اتجاه تحقيق الاستقرار. صحيح أنّ آفاق السلام ليست مشرقة، إذ إنّ المفاوضات تتطلّب النية الصادقة وهو ما قد يكون غير متحقّق، نظراً لأنّ البعض قد يعتبر جولات الحوار فسحة وقتية تسمح بإعادة ترتيب الأوراق، وقد يحدث خلالها تغيّر على الأرض يسمح بكسب أوراق تفاوضية. ولكن الحقيقة الناصعة أنّ لا فوز حاسماً في الأفق لأي من الفصائل المتحاربة في أي وقت قريب.
لذلك، فالواقعية السياسية تجعل من المهم على الأطراف الليبية المتصارعة، سواء التي انضمت إلى طاولة الحوار أو التي غابت، أن تعي أنّ الفوضى ستحوّل ليبيا إلى دولة فاشلة، وأنّ استمرار الوضع يجعل البلد عرضة لتدخل عسكري خارجي، ويستدعي النموذج الصومالي.. مع ما يعني ذلك من تهديد للأمن القومي العربي ككل بالنظر إلى موقع ليبيا وحجمها مقارنة بالصومال. وهذا يعني لزاماً التوصّل سريعاً إلى أسس انتقال ديمقراطي ناجح يقوم على مصالحة حقيقية.
وإذا كان هو المطلوب من الفرقاء الليبيين فإنّ هناك استحقاقاً آخر على المعنيين بالسلام في ليبيا، ومنهم: جامعة الدول العربية، ممثلة للعرب، ودول الجوار العربية، ومن الأمم المتحدة والدول الأوروبية المعنية، يقضي بتوفير عوامل إنجاح هذا الحوار الذي يجري تحت مظلة أممية، عبر عوامل عدة، تبدأ بالدعم السياسي لمجهودات الأمم المتحدة وتمتد إلى «معاقبة» الطرف المعرقل لوصول الحوار إلى النتيجة الإيجابية المرجوة.
وتبدو الحاجة ملحّة هنا لوقف المعارك التي لا رابح فيها، ثم العمل سريعاً وبلا مماطلة على تهيئة بيئة مستقرة تسهّل الاتفاق على دستور، والذي يعتبر مفتاح أي اتفاق حيال كل القضايا الخلافية الأخرى، وهي كثيرة.
nidal@albayan.ae