تكشف المعلومات الاخيرة أن الولايات المتحدة قررت إلقاء ثقلها في العراق من أجل محاربة تنظيم داعش، على الرغم من أنها ما زالت تنظر إلى أن الحرب ليست عسكرية فقط، وتتطلب تفاعلاً جدياً من الجانب العراقي، ولا سيما في إعداد «جيش حقيقي» وانسجام وطني داخلي يعزل التنظيم المتطرف عن حواضنه، بإجراء مصالحة وطنية شاملة وإنهاء حالة الفساد المستشري في الدولة العراقية قدر المستطاع.

وأقرت الولايات المتحدة مؤخراً ميزانية دفاع جديدة تتضمن تخصيص خمسة مليارات دولار لمواجهة «داعش» في العراق، من بينها 1,6 مليار لتدريب وتسليح القوات العراقية وقوات بيشمركة كردستان والفصائل السنية.

طريق المساعدات

لكن المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة هي فقدان الثقة في ما ستؤول إليه المساعدات المقدمة إلى العراق بعد أن «تبخرت» جهود عقد أمام هجمة «داعش» في العاشر من يونيو العام الماضي، حيث انتقلت الترسانة المتوفرة إلى الخصم بسهولة لا توصف..

كما سجلت تلك الهجمة انهياراً شبه تام للمؤسسة العسكرية التي أخضعت في ما بعد إلى هيمنة الميليشيات، ما يزيد من حذر الولايات المتحدة في تقديم المزيد من المعونات إلا بحسابات دقيقة تدخل ضمنها إعادة هيكلة القوات المسلحة وفق قرارات سياسية فعالة بعيدة عن شبهات الفساد التي اتسمت بها المرحلة السابقة.

الحد الممكن

ويرى المراقبون السياسيون والعسكريون أن واشنطن لا يمكنها الانتظار طويلاً إلى حين إصلاح ما أفسد في الشأن العراقي، لذلك فهي تقدم المعونات العسكرية إلى العراق للحد من تمدد وتقدم «داعش» ريثما تتوافر الجهة القادرة على إمساك الأرض بشكل صحيح. وبتعبير أكثر دقة «عدم تسليم الأراضي التي يتم طرد داعش منها إلى ميليشيات تابعة لإيران»، وهو ما قد يتطلب تدخلاً برياً دولياً، بخلاف ما ترغب به طهران وميليشياتها في العراق.

واقع الجيش

وبحسب رئيس الاستخبارات العسكرية الأميركية الجنرال فينسنت ستيوارت، فإن «القوات العراقية لن تكون قادرة وحدها على هزيمة تنظيم داعش في العراق». ويقول ستيوارت في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس إن «قوات الأمن العراقية لا تزال غير قادرة على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية أو استمرار العمليات العسكرية التقليدية ضد التحديات الداخلية من دون مساعدة أجنبية».

ويوضح أن «السبب يعود إلى فقر القدرات اللوجستية والفساد، وغيرهما من المشاكل داخل المؤسسة العسكرية العراقية، التي أدت إلى وجود قادة غير مؤهلين وانخفاض الروح المعنوية»، محذراً من أن «أمام العراقيين طريقاً طويلاً للوصول إلى الجاهزية المناسبة لهزيمة تنظيم داعش في العراق». ويؤكد ستيوارت أن «تدفق أعداد المقاتلين الأجانب إلى العراق وسوريا لا يزال مثيراً للقلق، مع استمرار قدرة التنظيم على التواصل مع العالم الخارجي».

الأسلحة التشيكية

وأمام هذا الموقف الأميركي الحذر والتوجهات الإيرانية في العراق، يتساءل مراقبون عن جدوى صفقات الأسلحة مع روسيا ودول أخرى في إعادة تسليح الجيش العراقي، فيما يشككون بإمكانية أي دولة تقديم ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة..

إضافة إلى وجود شبهات فساد وغموض في تلك الصفقات. ويستشهد المحلل العسكري العميد المتقاعد رافع الصعب بحادثة شحنة الأسلحة التشيكية البالغة 400 طن التي ضبطت مؤخراً على متن طائرة روسية في مطار بغداد، وأمر رئيس الوزراء حيدر العبادي بمصادرتها، فيما أغلق التحقيق بشأنها بعد مدة وجيزة ..

وتم السماح للطائرة بالمغادرة، في وقت قيل إن الشحنة كانت مخصصة لـ«داعش» أو البيشمركة التي لم تسمح بهبوط الطائرة في مطار السليمانية. ثم قيل إنها عائدة لتاجر أسلحة عراقي، وفيما نفت وزارة الدفاع الحديث أن الشحنة لها، نشرت وسائل إعلام عراقية وثائق عن الصفقة قالت إنها تحمل تواقيع قادة عسكريين، بينما تحدث آخرون عن أن الصفقة هي لميليشيات متنفذة، لذا تم تمييع القضية والتكتم على التحقيق بشأنها.

الاتجاه الصحيح

وتكاد تكون الولايات المتحدة على يقين بأن مساعداتها العسكرية للعراق ليست بالاتجاه الصحيح إلى حد الآن، إلا أنها في الوقت نفسه تحاول إسقاط الاتهامات الموجهة إليها بتقصيرها في دعم العراق عسكرياً، لاسيما أن ملف تسليح الجيش العراقي مثار جدل على الرغم من تجاوز إعادة تشكيله العقد الأول ودخوله في معارك مفصلية مع الجماعات المسلحة في مختلف مناطق البلاد.

وتعد واشنطن من أبرز مصادر تسليح العراق، حيث أعلنت مؤخراً تزويدها بغداد بشحنة تسليحية جديدة تضم واحداً وعشرين مليوناً وستمئة ألف اطلاقة، فضلاً عن ستة وثلاثين ألف صاروخ..

وثلاثة آلاف وسبعمئة قذيفة مدفعية، وألف وخمسمئة صاروخ هيل فاير، و15 ألف قذيفة دبابة عيار مئة وعشرين ملم، وثلاثة وعشرين ألف قذيفة مدفعية عيار مئة وخمسة وخمسين ملم، واثنين وعشرين ألف قذيفة هاون عيار ستين ملم، وعشرة آلاف قذيفة هاون عيار واحد وثمانين ملم..

بالإضافة إلى ثلاثمائة ألف قذيفة مضادة للدبابات عيار أربعين ملم شديدة الانفجار وثنائية الغرض، وأربعة آلاف رمانة يدوية. ويرى الجانب الأميركي أن هذه التجهيزات تشكل دفعة جيدة باتجاه تطوير تسليح الجيش العراقي، إلا أن ما تمر به البلاد من تحديات أمنية جعل آراء الأوساط السياسية العراقية غير متفقة حول جدوى هذه الكميات من الأسلحة المكشوف عن تفاصيلها، وهو ما قد يبقي ملف التسليح في أروقة الجدل.

فتح الملف

إلا أن هذه التطورات، تعيد فتح ملف الجيش العراقي وحلّه وإعادة تشكيله على أسس مشوهة. فهناك من يرى أن الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال بول بريمر ارتكب خطأً كبيراً بحله الجيش العراقي العريق والمتمرس.

ولكن هذا الرأي يفتقد الكثير من الدقة، لأن المحتل لم يأت إلى العراق «محرراً»، وإن ما أقدم عليه بريمر يمثل رأي الإدارة الأميركية آنذاك بعدم الحاجة إلى وجود جيش عراقي مع وجود «الحماية الأميركية». هذا الأمر جعل الجيش العراقي «الجديد» يقف متكئاً على أسلحته البسيطة التي زوده بها الأميركيون أو حصل عليها بموافقتهم، وهي في معظمها أسلحة أقل ما يصفها الخبراء العسكريون بأنها لا تتناسب وتاريخ هذا الجيش، ولا بالمهام التي تناط بالجيوش في العالم.

أرقام

يمتلك الجيش العراقي 72 دبابة روسية قديمة من طراز «تي 55» و77 دبابة روسية أحدث من طراز «تي 72»، بينما كان ما يمتلكه قبل الغزو الأميركي أكثر من 2000 دبابة قتال رئيسة.