أقر مجلس النواب العراقي الموازنة العامة للعام 2015، في وقت تثار تساؤلات كثيرة عن موازنة 2014 وأين ذهبت وكيف أنفقت وما الفائض منها أو الديون المترتبة عليها؟ وهذا ما لم يحصل في أي بلد في العالم. ويلاحظ المراقبون الاقتصاديون أن موازنات بعد العام 2004 وضعت كلها من دون مناقشة الحسابات الختامية ولا يعرف أحد كيف تم التصرف بها، مع الشكاوى الكثيرة حول المشاريع التي أدرجت فيها التي كانت مجرد حبر على ورق.

وبمعنى آخر إنها كانت موازنات توزيع عائدات النفط على أسس غير مفهومة وبتصرفات كيفية يشوبها الفساد. ويرى المراقبون الاقتصاديون أن الموازنة الحالية، التي أقرت بما يقارب المئة مليار دولار وبعجز يقارب العشرين مليار دولار، ليست موازنة «تقشف» وإنما «تخمة» في العرف الاقتصادي الدولي والعراقي، حيث لم تتجاوز الموازنة في أحسن الظروف قبل العام 2003، وفي زمن الحرب العراقية الإيرانية، ربع هذا المبلغ، وكان يذهب زهاء 80 في المئة منها للمجهود الحربي.

إلا أن الهزة النفطية الأخيرة جاءت لتدق جرس الإنذار بالكف عن تخريب كل المنشآت الاقتصادية والعودة إلى إحياء المشاريع الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية التي أصبحت «عديمة الجدوى» أو «عديمة الوجود» بسبب سوء الإدارة بهدف استغلال الظروف لوضع بدائل الخصخصة التي لم توضع لحد الآن.

تحوطات وبدائل

وفي السياق، يذكر المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة مظهر محمد صالح أن موازنة العام 2015 تتضمن العديد من التحوطات والبدائل تحسباً من حدوث أمور غير متوقعة، وأن الميزانية التشغيلية منها تبلغ 63 تريليون دينار (حوالي 55 مليار دولار) والاستثمارية تبلغ 37 تريليوناً (أكثر من 30 مليار دولار)، في حين يبلغ العجز قرابة 25 تريليون دينار (20 مليار دولار تقريباً). وتشير اللجنة المالية البرلمانية إلى أن الموازنة ربما لن تلبي الخدمات والاحتياجات كلها، لكنها تراعي أموراً مهمة كالأمن والنازحين، فيما توضح عضوة اللجنة نجيبة نجيب أن «الموازنة ضغطت الدرجات الوظيفية وقللت من رواتب أصحاب الدرجات العليا، لتلبية الأمور الضرورية التي يحتاجها العراق حالياً».

إنفاق السائحين

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي فلاح أحمد إن «إقرار مجلس الوزراء الموازنة العامة مبكراً يشكل خطوة جيدة تحسب للحكومة»، عاداً أن «العجز بالموازنة ينبغي أن يغطى من خلال السياحة الدينية والنشاطات الاقتصادية الأخرى، لأنها تعتمد على مورد وحيد هو النفط».ويوضح أحمد أن «السياحة الدينية سجلت ارتفاعاً العام 2014، إذ زار العراق 20 مليون سائح»، مشيراً إلى أن «أية دولة بالعالم كانت ستفخر بمثل هذا العدد من السيّاح وتعدّه من مواردها الاقتصادية المهمة، فيما ينفق العراق على السياح ولا يستفيد منهم».

ويرى الخبير الاقتصادي أن «السياحة الدينية في العراق يمكن أن توفر مبالغ ضخمة جداً تغطي جزءاً كبيراً من العجز بالموازنة، بل وتضيف أرباحاً لها، فضلاً عن إمكانية إسهامها بتأمين فرص عمل لنصف العاطلين حالياً لما تحتاجه من أدلاء ومترجمين وعاملين وخدمات وغيرها». ويدعو إلى «تشكيل لجنة اقتصادية زراعية، لتحديد ما ينبغي التركيز عليه من المحاصيل ذات المردودات العالية لخدمة الاقتصاد الوطني».

ثورة اقتصادية

وتبقى المسألة الأساسية في نظر الخبراء الاقتصاديين، هي كيفية التصرف بالأموال الموجودة بشكل سليم، والنظر إلى ثورة حقيقية وفعّالة لإعادة الحياة إلى القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية وغيرها، والكف عن النظر إلى أن العراق بلد استهلاكي لا غير، وان اقتصاده مفتوح لمن يغرف منه بلا حساب.