أكثر ما لفت في زيارة الرئيس باراك أوباما والوفد الذي رافقه إلى الرياض لتقديم التعازي بوفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز كان حجم ومستوى الوفد وترتيبات اللحظة الأخيرة التي حكمت تشكيلته والتي تزامنت مع انهيار الوضع في اليمن.
ما عدا مناسبة أو اثنين من هذا النوع منها جنازة الرئيس نيلسون مانديلا، لم يسبق أن شارك وفد أميركي بتعزية رسمية في الخارج من عيار الموكب الذي حضر الثلاثاء إلى السعودية للتعزية والتهنئة في آن. أركان فريق الأمن القومي في الإدارة، باستثناء وزير الدفاع، إلى جانب مجموعة من أعضاء الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب شملت الحزبين الديمقراطي والجمهوري ومنهم من يحتل مواقع نافذة مثل السيناتور جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إضافة إلى مسؤولين سابقين كبار من الحزبين أيضاً ضمت وزير الخارجية السابق جيمس بيكر وأربعة مستشارين سابقين لشؤون الأمن القومي وعسكريين كبار مثل الجنرال لوويد أوستن قائد قوات المنطقة الوسطى التي تشمل منطقتنا. والمعروف أن بعض هذه الشخصيات، خاصة الجمهورية منها – مثل الوزير بيكر ومستشار الأمن القومي برانت سكوكروفت – تربطها علاقات قديمة وجيدة مع المملكة.
وجرى تشكيل الوفد على وجه السرعة لينضم إلى الرئيس القادم من الهند بعد أن قرر في آخر لحظة قطع يوم من زيارته لها ليتوجه إلى السعودية.
تبديل مفاجئ
كان تكليف التعزية موكولاً إلى نائب الرئيس جو بايدن. لكن حصول تبديل مفاجئ في الصيغة وتزامنه مع الانهيار في اليمن، أعطى الزيارة طابع المهمة الأوسع من القيام بواجب العزاء. إذ بدت للمراقبين بمثابة رسالة متعددة العناوين وأنها جاءت ليس فقط للتأكيد على أهمية العلاقات الأميركية مع المملكة وإنما أيضاً لرفع وتيرة التعاون معها في مواجهة التحديات المطروحة في وقت «حرج بصورة غير اعتيادية حيث يبدو كل شيء في المنطقة يتهاوى» على ما قال الوزير بيكر.
يشار في هذا الخصوص إلى أن الإدارة تواجه ضغوطاً متزايدة ليس فقط من قيادات الجمهوريين، بل أيضاً من أركان حزبها الديمقراطي، لحملها على النظر جدياً بخيار «العمليات الخاصة» التي تقوم بها قوات أميركية مدرّبة على مثل هذه المهمات. فالظروف المتفاقمة في المنطقة باتت تستدعي الاستعانة بما «يتعدى الخبراء والمدربين». كما يتردد بأن وزير الداخلية السعودي وولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف عازم هو الآخر على توسيع الدور السعودي الخارجي، باعتباره من لوازم التصدي للإرهاب وبالتعاون مع واشنطن.
التصدع اليمني
لقد هزّ التصدع اليمني واشنطن بدرجة فارقة. الخشية أن تتحول ساحة هذا البلد إلى أفغانستان أخرى. عملية باريس وربطها بالقاعدة المتواجدة في اليمن، أحيت هذا الهاجس. الإدارة ما زالت تعتبر أن هادي هو «الرئيس الشرعي».
في الوقت ذاته أرسلت إشارات إلى الحوثيين للتعاون مع الرئيس.. تنوه واشنطن بعدائهم لـ «القاعدة». لكن في محاولة التقارب معهم ما هو أكثر من العداء للقاعدة. الحوثيون الذين يدركون ذلك، رفعوا من سقف شروطهم التي تؤدي، على ما قيل، إلى تجويف الرئاسة اليمنية من صلاحياتها. ومن هنا استئناف واشنطن أول أمس لعمليات طائرة الشبح ضد القاعدة في اليمن، علّ ذلك يحمل الحوثيين على خفض سقف شروطهم من جديد؛ على أساس أن التعاون معهم ليس ضرورياً لمطاردة القاعدة في اليمن.
إشارات تحت الاختبار
وبين الشد والجذب يبقى الوضع اليمني في حالة انعدام الوزن. حالة قيل في واشنطن أنها كانت موضع بحث إلى جانب النووي الإيراني وداعش، في الخلوة بين الرئيس والملك سلمان التي استمرت أكثر من ساعة.
الإشارات التي أعطتها إدارة أوباما في هذه الزيارة لتعزيز صدقيتها، تبقى تحت الاختبار ولحين وضعها موضع التنفيذ.