في اللحظة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مدينة الموصل عقب تقهقر الجيش العراقي بطريقة دراماتيكية في 9 يونيو الماضي، كان مناصرو التنظيم يعلنون على صفحات التواصل الاجتماعي بأن معاهدة سايكس بيكو انتهت، حيث جاء هذا الانتصار تكريساً لمساعي مسلحي داعش بناء ما يعتبرونه دولة دينية تمثل حسب وجهة نظرهم «الخلافة الإسلامية».

في المقابل، كان رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني يدلي بتصريحات إعلامية، بأن الحدود العراقية ـ السورية، لم تعد تجاري التطورات الميدانية المتسارعة، نتيجة انهيار نفوذ السلطة المركزية في كلا البلدين تحت انتشار نفوذ الجماعات المتطرفة، وعبور مقاتلين أكراد على طرفي الحدود بغرض مطاردة داعش.

وتماشياً مع المستجدات المتبلورة، تبدو حسابات الأكراد على جانبي الحدود لا تتطابق مع حسابات داعش التي خرقت أولاً الاتفاق الفرنسي ـ البريطاني التاريخي، بإعلان «دولة الخلافة» على مناطق متداخلة من العراق وسوريا، غير أن هذا الخرق المتبادل يغري الطرفين على حد سواء، فداعش مصر على شعاره بتوحد المناطق الحدودية المنتشرة في سوريا والعراق، ونجح إلى حد كبير في فتح ممرات حدودية من جهة محافظة دير الزور السورية التي تقابل محافظة الأنبار العراقية، ما أعطاه حرية المناورة في نقل المعدات اللوجستية والبشرية بسهولة، بحيث صعق المراقبين قبل السلطات المركزية في البلدين.

عقبات

والأكراد بدورهم يرون في الحدود المرسومة بين البلدين إحدى العقبات أمام وحدة شعبهم، ويدركون أن اضمحلال بعض الحدود قد يوسع تقاربهم ويعزز دورهم في المنطقة.

المفارقة أن كلا الطرفين يعتبران الحدود العراقية ـ السورية بمثابة عقبة تقف في طريق طموحاتهم العقائدية والسياسية، ويخوضان الآن غمار المعارك الشرسة فيما بينهما، بحيث تبدو المعابر الرسمية وغير الرسمية خطوط إمداد مفتوحة تزود الفرق العسكرية المتقاتلة دون عناء، لكن الأفضلية التي ترجّح كفة طرف على حساب طرف آخر، من حيث أهمية انشراح النقاط الحدودية، تميل بطريقة مباشرة لصالح داعش.

فتلك المكاسب التي رصدها داعش من وراء إزالة الحدود، تمثلت في سهولة التحرك في المناطق السنّية المركزية في العراق، حيث استطاع استقطاب مزيد من العراقيين نتيجة التورط الإيراني في الصراع، وهذا من شأنه أن يشكل دافعاً قوياً للمقاتلين العرب السنّة من مختلف المشارب الأيديولوجية لقتال خصومهم الشيعة.

وهذه الثارات الطائفية ستجعل الأمر أكثر صعوبة على الحكومة العراقية، لتجنيد ما يكفي من المتطوعين من بين سكان العراق السنّة لمحاربة الإرهابيين.

ووفقاً لبعض التقارير، فإن داعش كسب رضى معظم القبائل السنية المنتشرة بين سوريا والعراق، مستفيدا من الفوضى المنتشرة عقب انهيار الحدود، ما منحه المساحة اللازمة للتشعب والانتشار، بحيث يصبح اقتلاع التنظيم صعباً للغاية، لاسيما مع انخفاض حظوظ الجماعات المحلية المناهضة.

المكسب الثاني الذي استثمره داعش في هذا الصدد، تجسد في توسيع رقعة دائرة نفوذه الاقتصادي المتزايد باطراد مع توسيع هيمنته على المناطق الجغرافية الشاسعة، والتي تربط فيما بينها بشبكة مواصلات موحدة، ابتداءً من أرياف مدينة حلب السورية وصولاً إلى تخوم محافظة صلاح الدين وبغداد في العراق، وتدخل المنافع المرجوة ضمن العملية الاقتصادية بفرض مراكمة الضرائب وتوزيع النفط والغاز على الكتل السكانية الجديدة، إضافة إلى الهيمنة على الموارد الزراعية والتجارية والخدمية.

وينحسب هذا التطور على الترابط العسكري بين جميع القواعد العسكرية، ومقدار سهولة انتقال الأفراد والجماعات من أجل سد الفراغ الناشب في أية منطقة تعاني من الضعف والتشتت، فضلاً عن تأمين طرقات آمنة تسهل من مهمة قدوم الإرهابيين من البلدان الخارجية.

ثغرات

تفيد التقارير الدولية والمحلية بأن الثغرات الحدودية بين سوريا والعراق، ساعدت الأكراد في البلدين على تكثيف التبادل التجاري بينهم،

كما سهلت ترحال النازحين الفارين من براثن الحرب الإرهابية المخاضة ضدهم، فصلاً عن سهولة وصول الإمدادات الإنسانية إلى المناطق التي تعاني من آثار الحرب المندلعة، لا سيما عبر معبر «سيمالكا» الحدودي.