رغم أنّ التطورات العسكرية في مدينة الحسكة شرقي سوريا، تتجه نحو التهدئة بين وحدات حماية الشعب الكردية من جهة والقوات النظامية ومليشياته من جهة ثانية، عقب مواجهات محتدمة بين الطرفين خلال اليومين الماضيين، إلّا أنّ هذه الصدامات التي تعددت الروايات حول تداعيات نشوبها خلقت مناخات جديدة قد تحدّد على ضوئها مسار العلاقة الكردية بالسلطة المركزية في مقبل الأيام.
وأرجع الشارع الكردي جذور هذا التطور العسكري الناشب في مدينة الحسكة المقسّمة بين القوات النظامية ووحدات حماية الشعب إلى تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد التي نشرتها إحدى الصحف اللبنانية الموالية للنظام السوري في وقت سابق، وجاء على لسان الأسد في لقاء مع أعضاء حزب البعث في مدينة طرطوس الساحلية، إلى وجود مخطط أميركي يهدف إلى انشاء كيان فيدرالي للأكراد في سوريا، وقد أوضح عدم واقعية هذا الطرح كون غالبية الكثافة السكانية للأكراد في سوريا يتركز في الحسكة وهم حسب الأسد يشكلون 36 في المئة فقط من سكانها.
نيات مبيّتة
ولعل جملة هذه الآراء المتداولة في الوسط الكردي خلصت إلى استنتاج مفاده، ظهور نيات مبيّتة تحيكها القوات النظامية تمهيداً لإجهاض النفوذ الكردي الصاعد في شمال شرقي البلاد أو كما يطلق عليها الأكراد بـ«روج آفا».
وما زاد من هواجس الأكراد في هذا المسار، هو استغلال مناصري نظام الأسد على مواقع التواصل الاجتماعي هذه المصادمات في إحياء الدعاية المركزية التاريخية الموجّهة ضد الكرد والمتمثّلة في وصف طموحاتهم المشروعة تحت يافطة الانفصاليين، وهو مؤشّر لطالما كان يردده النظام قبيل أية حملة ضد الأكراد.
خريطة نفوذ
وتفيد التقديرات الحالية، بأنّ هذا التصور الذي يسعى النظام إلى تنفيذه بمعية مليشياته المنتشرة في منطقة الجزيرة الغنية بالنفط حسب الخبراء، قد لا ينسجم مع قدرته الدفاعية والعسكرية تبعاً لخريطة نفوذه المنحصر في بضعة الأحياء الجنوبية من مدينة الحسكة، فضلاً عن بعض القواعد العسكرية والأمنية المتمركزة في مدينة القامشلي شمالي الحسكة على الحدود التركية..
وعليه تبدو هذه المقاربة بصورة عامة لا تخدم المصالح القوات النظامية التي تنوي المحافظة على لعبة التوازن مع القوات الكردية دون الانزلاق إلى مجازفات عسكرية مفتوحة في ظل تحليق طائرات التحالف الدولي بشكل يومي على أجواء المناطق الشمالية الشرقية، والتي من المحتمل أن تعرقل حركة الطيران الجوي النظامي فيما لو حاول النظام الاستعانة بالقوات الجوية في ضرب القوات الكردية التي تحارب «داعش».
تداعيات خطيرة
ومن المرجح في هذه الحالة، أن تترتب تداعيات خطيرة تصب لصالح «داعش» في ضرب القوات النظامية والكردية معاً بهدف توسيع نفوذها في منطقة الجزيرة السورية بشكل عام، ما قد يجد النظام نفسه يتعرّض إلى نكسات جديدة تضاف إلى إخفاقاته المتكرّرة أمام «داعش».
إدارة صراع
غير أنّ تداعيات معركة الحسكة وإن لم ترتق إلى مستويات حرب مكشوفة ضد الأكراد وفق الظروف الميدانية المتباينة، إلا أنّها فرضت اعتقاداً بين الأكراد بأن ما يجري في الوقت الراهن، هو محاولة من طرف النظام لإعادة تأهيل دوره في المناطق الخارجة جزئياً عن سيطرته، وإدارة الصراع على نحو جديدة وخلق أشكال جديدة له، معتبرين أنّ «معارك الحسكة بمثابة خطوة استباقية من النظام في زمن يعتقد أنّه يستطيع التحكّم بمساره بعدما فقد معظم نفوذه في المناطق الشرقية والشمالية..
وهو يحاول في هذا التوقيت استثمار إضعاف «داعش» تحت ضربات التحالف الدولي من أجل إعادة انتشار نفوذه مجدّداً، وهو التصور الذي يخالف وجهة نظر التحالف الدولي والجانب الكردي معاً، لاسيّما أنّ وحدات حماية الشعب ترفض تموضع السلطة المركزية نفسها في المناطق الكردية بعدما انسحبت معظم وحداتها الأمنية في غضون السنوات الثلاث الماضية، حتى لو اقتضى الأمر الانجراف إلى حرب مع النظام من جهة، و«داعش» من جهة ثانية.