يبدو أن دول العالم وجدت صعوبة في شرح مصطلح الإرهاب ولغة القضاء عليه، بحيث ان تطرف تنظيم داعش ووحشية مجازره لم تولد جبهة قوية للقضاء عليه، بقدر ما ولدت جبهة تعصب ضد الإسلام بعد الهجوم الذي استهدف المجلة الفرنسية الساخرة شارلي ايبدو التي نشرت في طبعتها الأخيرة رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، على صدر صفحتها الأولى. حيث سقطت المجلة ومن يدعمها في الشرك الذي يريده الإرهابيون.
شبح مريض يحوم فوق أوروبا، شبح العنصرية الخطيرة. هنالك فرق جوهري بين المساس بديانة، أو أية ديانة أخرى سائدة، وبين المساس والتحريض ضد ديانة الإسلام. الإشكالية هي أن التعصب الأعمى والكراهية للإسلام والمسلمين تصنف على أنها أنها حرية تعبير، فبدل أن يواجه العدو الحقيقي المتمثل في الإرهاب من جهة و«الإسلاموفوبيا» من جهة ثانية، تشكلت آلة إعلامية وسياسية من العنصرية والكراهية وجهت فوهات مدافعها إلى الإسلام والمسلمين.
فرغم أن المجتمع الدولي أدان بشدة مرتكبي هذا الاعتداء، وأبدى تعاطفه الشامل مع «شارلي إيبدو» التي فقدت عددا من أشهر رسامي الكاريكاتور وموظفين آخرين في الهجوم الإرهابي، إلا أن التعاطف لا يعني موافقة عالمية على تصوير الصحيفة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، في رسومها الكاريكاتورية. حيث دخلت باريس ومعها العديد من دول العالم من ورائها، إلى ميدان المتعصبين...
وأصبحت تتصرف في تناغم وتفاعل مع تصرفاتهم. فإذا كان الإرهاب برميل بارود، فإن النزعة الإقصائية والتعصبية اللتين يمارسهما الغرب يمثلان إلى حد ما أحد المفجرات. إن الدرس الذي من المفترض أن يستوعبه العالم أن تطرف تنظيم داعش ولد تعصبا غربيا، لكن التعصب سيكون له رد فعل عكسي.
سياسة غير متوازنة
الانحطاط المهني إلى هذه الدرجة في شخص هؤلاء الذين يمسكون بأقلامهم ويستغلون عملهم الإعلامي ليقدموا خدماتهم للإرهابيين، يجعل من الصعب مكافحة واستئصال الإرهاب، حيث ان الحكومة الفرنسية كشفت عن سياسة غير متوازنة في معالجة تداعيات الهجوم على «شارلي ايبدو» بدعمها اليمين المتطرف وإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين.
التعصب والحض على الكراهية هما سبب البلاء وانتشار الإرهاب، ولا شك في أن العقلية الصدامية والمتعصبة لدى الغرب، التي أدت إلى تدخله السياسي والعسكري في شؤون الآخرين، لها علاقة بالظهور المستشري للإرهاب وانتشاره في أنحاء عالم اليوم.
فبالرغم من أننا نكرر دوماً أن الدين الإسلامي هو دين سلام، وأنه لا يسمح بالعنف، فإن هنالك من يمارسون أعمال العنف باسم الإسلام. وتجب محاربة ذلك تماماً مثلما تتم محاربة حركات الكراهية المناهضة للإسلام.
مواجهة صعبة
مسلمو فرنسا وبقية العالم الإسلامي عملياً هم الآن أمام مواجهة صعبة نتيجة هذه التبعية الذي يمتثل لها المسلم المتعصب فلا يدرك المعنى البعيد لقتل البشر في عقر دارهم، وعلى ساسة فرنسا رسم سياسة تمازج جديدة بين كل المكونات الفرنسية بمن فيها المسلمون، لكي يعطلوا البيئة الحاضنة للإرهاب، ولكن المطلوب شيء أكثر من اتخاذ إجراءات أمنية فقط. المطلوب هو فضح العنصرية المترسخة على كافة الصعد.
التطرف
المغالاة والتطرف، يقودان صاحبهما إلى تكفير الآخر، وإلى التعصب الفكري والعقائدي، مهما تستر المتعصب بطهرية خالصة أو مطلقة أساسها المبادئ السامية التي وردت في مختلف الديانات السماوية، فحادثة «شارلي إيبدو» لن تكون مجرد حادثة، بل ستصبح انفجار وعي أكثر من كونها تفجيراً، وبالتالي ستشكل بوادر مهمة للوعي بالخبرة الروحية والدينية لدى جيل بأكمله من المسلمين والغربيين بكل دياناتهم.
