مرت فرنسا خلال الأيام الأخيرة بمرحلة عصيبة، وصفت بأخطر الفترات منذ تولي فرانسوا هولاند منصب رئاسة الجمهورية في السادس من مايو من العام 2012، ترجمتها الأعمال الإرهابية التي رافقها سقوط ضحايا وقتلى، ما يجعل هولاند في اختبار صعب أمام شعبه لإثبات قدرته على إدارة شؤون البلاد، ليس من الناحية الأمنية فحسب، بل حتى من الناحية السياسية، خلال الفترة المتبقية من ولايته من جهة..

ومن جهة أخرى فإن الأحداث الأخيرة وضعت فرصة إعادة انتخاب الرئيس الفرنسي الحالي لولاية ثانية على المحك، وهو الأمر الذي قد يستغله منافسه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة نيكولا ساركوزي ليعود إلى الساحة السياسية من أوسع أبوابها، ولاستعادة ثقة الفرنسيين به مجدداً، وهو ما قد يقوده إلى استعادة مفاتيح قصر الإليزيه خلال الاستحقاق الرئاسي المقبل، المزمع اجراؤه في مايو 2017.

إعادة التوازن

ويرى مراقبون أن هولاند سيسعى خلال الفترة الحالية والمقبلة إلى ما وصفوه «إعادة التوازن»، بحسب ما ذكرته تقارير إعلامية فرنسية، والتي أكدت أن إعادة انتخاب هولاند لولاية ثانية في غاية الصعوبة، نظراً لما اعتبرته «قصوراً أمنياً» خلال الأحداث الأخيرة..

وهو ما اشار إليه أيضاً خبراء أمنيون بقولهم ان «رجال الأمن الفرنسي عليهم تغيير استراتيجيات المراقبة وإحباط الهجمات الإرهابية، مثل التي تعرض لها مكتب صحيفة شارلي إيبدو الأسبوعية». كما اعتبر المراقبون أن الهجمات الإرهابية «فتحت النار» على هولاند في جميع الملفات، سواء الاقتصادية او الاجتماعية أيضاً.

ويرى المحللون أن الرئيس الفرنسي يدرك تماماً امكانية استغلال اليمين للأحداث الأخيرة، للرفع من شعبيته، وهو الأمر الذي جعله يركز في خطاباته الأخيرة على مصطلحي «الوحدة الوطنية» و«الأمن»..

وهو ما عبر عنه هولاند خلال خطابه الأخير بقوله: «أنا لا أعرف مجتمعاً فرنسياً آخر غير المجتمع الوطني»، في إشارة منه إلى أن الجمهورية الفرنسية هي دولة الحريات والعدالة والمساواة واحترام جميع الثقافات والهويات، وذلك عقب إعادة نشر صحيفة «شارلي إيبدو» لرسوم مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

إخفاقات رئاسية

وبعيداً عن الأحداث الأخيرة، يرى مراقبون أنه «رغم الوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية، لم يتمكن هولاند الذي تولى الرئاسة الفرنسية في مايو 2012 من إصلاح الاقتصاد وتغيير مسار البطالة السلبي».

وأضافوا أنه «أمام الرئيس الفرنسي خلال النصف الثاني من عهدته الرئاسية مهمة اقناع الفرنسيين بأنهم لم يخطئوا في انتخابه»، موضحين أنه «على هولاند الذي يواجه انخفاضا كبيرا لشعبيته مطالب ببذل جهد كبير لإقناع الفرنسيين بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب».

وفي حين لم يكن هولاند شحيحا في إطلاق المبادرات غلى غرار ما سماها بـ«ميثاق المسؤولية والتضامن»..

والذي وصفه بـ «السلاح الذي سيقضي على البطالة ويعيد الأمل للفرنسيين»، فإنه بالرغم من المساعدات المالية والضريبية التي منحت لأرباب العمل والشركات إلا أن الوضع لم يتحسن. «وهذا ما دفع أكثر من 80 في المئة من الفرنسيين إلى التشكيك في إمكانية الرئيس الفرنسي على الوفاء بوعوده الانتخابية والتي ركزت بمجملها على مبدأ التغيير».

استراتيجية ساركوزي

بالمقابل، يرى محللون أن الأحداث الأخيرة قد تصب في صالح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي من أجل استعادة مفاتيح قصر الإليزيه مجدداً، وهو ما راح يؤكده من خلال تصريحاته الخاصة، والتي يوضح فيها قدرته على استعادة الأمن ومواجهة الإرهاب في فرنسا من خلال استراتيجية تقي الفرنسيين من الوقوع مجدداً في أعمال إرهابية مماثلة.

وقال رئيس التجمع من أجل حركة شعبية نيكولا ساركوزي إنه «لا ينبغي انتظار العام 2017 من أجل اتخاذ قرارات جريئة». وأكد أن «الوحدة الوطنية لا ينبغي أن تمنع المكاشفة، مما يتطلب شجاعة كبيرة في فهم الأحداث التي ذهب ضحيتها 17 فرنسيا» على حد قوله.

ودعا ساركوزي إلى الوحدة والمواجهة الجماعية للإرهاب، مطالباً بإنشاء لجنة برلمانية من الخبراء، أو فريق مختلط من الأغلبية والمعارضة.